والخلاصة : أنّه أوتي الهدى فانسلخ منه إلى الضلال ، ومال إلى الدنيا ، فتلاعب به الشيطان ، وكانت عاقبته البوار والخذلان ، وخاب في الآخرة والأولى .
وفي الآية عبرة وعظة للمؤمنين ، وتحذير لهم من اتباع أهوائهم ، حتى لا ينزلقوا في مثل تلك الهوة التي انزلق إليها صاحب المثل بحبه للدنيا ، وركونه إلى شهواتها ولذاتها ،
وَلَوْ شِئْنا
؛ أي : ولو أردنا أن نرفعه بتلك الآيات وبالعمل بها إلى درجات الكمال والعرفان
لَرَفَعْناهُ
؛ أي : لرفعنا ذلك المنسلخ
بِها
؛ أي : بتلك الآيات إلى درجات الكمال ، ومنازل العلماء الأبرار ، بأن نخلق له الهداية خلقا ، ونلزمه العمل بها طوعا أو كرها ، إذ لا يعجزنا ذلك ولكنه مخالف لسنتنا
وَلكِنَّهُ
؛ أي : ولكن ذلك المنسلخ
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
؛ أي : أراد الخلود في الأرض ، وركن إلى الدنيا ، ومال إليها ، وآثر لذاتها وشهواتها على الآخرة ، وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام ، والأرض هنا عبارة عن الدنيا ؛ لأنّ الأرض عبارة عن المفاوز والقفار ، وفيها المدن والضياع ، والمعادن والنبات ، ومنها يستخرج ما يعاش به في الدنيا ، فالدنيا كلها هي الأرض . ذكره في « الخازن »
وَاتَّبَعَ هَواهُ
؛ أي : واتبع ما تهواه نفسه ، وجعل كل حظه من حياته التمتع من لذائذها الجسدية ، ولم يوجه إلى الحياة الروحية عزما ، وركب رأسه فلم يراع الاهتداء بشيء مما آتيناه من آياتنا ، فخسر دنياه وآخرته ، ووقع هاوية الردى والهلاك وانحط في أسفل سافلين ، وقيل : المعنى : اتبع رضا زوجته ، وكانت هي التي حملته على الانسلاخ من آيات اللّه تعالى .
وخلاصة ذلك « 1 » : أنّ من شأن من يؤتى الآيات أن تسمو نفسه وتصعد في سلم الكمال ، لما فيها من الهداية إلى سبيل الخير الحاضة على العمل النافع ، وما فيه فائدة روحية له ، على شريطة أن يتلقاها بعزيمة ونية صادقة ، كما جاء في الحديث : « إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى » . أما من تلقاها بغير
هامش
( 1 ) المراغي .