وروي عن أبي قلابة أنّه قرأ هذه الآية وقال : هي واللّه لكل مفتري إلى يوم القيامة أن يذله اللّه . وقال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية . قال : والمبتدع مفتر في دين اللّه ، قال أبو حيان « 1 »
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
؛ أي : مثل ذلك النيل من الغضب والذلة ، نجزي من افترى الكذب على اللّه ، وأي افتراء أعظم من قولهم :
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى
، والمفترون عام في كل مفتر ، انتهى .
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ
من الكفر والمعاصي غيره
ثُمَّ تابُوا
؛ أي : رجعوا إلى اللّه تعالى
مِنْ بَعْدِها
؛ أي : من بعد عمل السيئات ، بأن رجع الكافر عن كفره ، والعاصي عن عصيانه
وَآمَنُوا
؛ أي : داموا واستمروا على إيمانهم ، وزكوه بالعمل الصالح ، أو تكون الواو حالية ؛ أي : وقد آمنوا
إِنَّ رَبَّكَ
يا محمد
مِنْ بَعْدِها
؛ أي : من بعد تلك التوبة المقرونة بالإيمان
لَغَفُورٌ
لهم ؛ أي : لستار لذنوبهم وإن عظمت وكثرت
رَحِيمٌ
بهم ؛ أي : منعم عليهم ، مبالغ في إفاضة فنون الرحمة الدنيوية والأخروية عليهم ؛ أي : من أتى بجميع السيئات ثم تاب . . فإن اللّه سبحانه وتعالى يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة للمذنبين .
وينتظم في هذا المسلك متخذو العجل وغيرهم من المجترحين للسيئات ، عظمت ذنوبهم أو حقرت ؛ لأنّ الذنوب وإن جلت وعظمت ، فعفو اللّه وكرمه أعظم وأجل ، على شريطة التوبة والإنابة ، وبدونها الطمع فيه طمع في غير مطمع ، ألا ترى أن طمع الفساق في المغفرة بدون الإنابة إلى ربهم قد ذهب بكثير من حرمة الأوامر والنواهي من قلوبهم ، وجعلهم يستحلون كثيرا من المحرمات ، وكانوا شرا ممن قال اللّه فيهم :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
ولم يكن طمعهم ثمرة إيمان وعمل صالح ، بل هي أماني جر إليها الحمق والغفلة عما يجب من تعظيم تلك الأوامر والنواهي :
إنّ الأماني والأحلام تضليل
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
؛ أي : زال وسكن عنه الغضب ، باعتذار
هامش
( 1 ) البحر المحيط .