تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الشرائع ما يزكي النفوس ، وتقوم بها مصالح العباد ، وعليها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم . وخلاصة ذلك : أنّه فاقد لأهم صفة من صفات الإله الحق ، وهي صفة الهداية والإرشاد للعباد ، بإرسال الرسل الذين يختارهم إلى الناس ، ومرجعها صفة الكلام ، ثم أكد ما سلف وقرره بقوله :
اتَّخَذُوهُ
أي : اتخذوا ذلك العجل إلها وعبدوه
وَكانُوا ظالِمِينَ
لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة اللّه تعالى ، واشتغلوا بعبادة العجل . أي : إنهم لم يتخذوه عن دليل وبرهان ، بل اتخذوه عن تقليد للمصريين ، إذ رأوهم يعبدون العجل - أبيس - من قبل ، وعن تقليد لما رأوه من العاكفين على أصنام لهم من بعد ، فعبدوه مثلهم ،
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
؛ أي : ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل ، وازدادت حسرتهم على ما فرط منهم في جنب اللّه تعالى ، وتحيروا بعد عود موسى من الميقات
وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا
؛ أي : وعلموا أنّهم قد ضلوا ضلالا بعيدا بعبادة العجل
قالُوا
؛ أي : قال بعضهم لبعض : إن ذنبنا لعظيم ، وإن جرمنا لكبير ، وإنّه لن يسعهم بعد هذا الذنب إلا رحمة اللّه التي وسعت كل شيء و
لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا
بقبول توبتنا
وَيَغْفِرْ لَنا
بالتجاوز عن جريمتنا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
؛ أي : من الذين خسروا سعادة الدنيا - وهي الحرية والاستقلال في أرض الموعد - وخسروا سعادة الآخرة وهي دار الكرامة والنعيم المقيم وجنات النعيم . وفي « الفتوحات » قوله :
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
هذا كناية عن « 1 » الندم ، ومعلوم أنّ الندم متأخر عن علمهم بالخطإ ، فتقديمه على الرؤية للمسارعة إلى بيانه ، والإشعار بغاية سرعته ، حتى كأنّه سابق على الرؤية . اه « أبو السعود » . و
سُقِطَ
فعل ماض مبني للمجهول ، وأصل الكلام : سقطت أفواههم على أيديهم ، ففي بمعنى على ، وذلك من شدة الندم ، فإن العادة أنّ الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عض بفمه على أصابعه ، فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم ،
هامش
( 1 ) الفتوحات والمراح .