سدى ؛ لأنّهم عملوا لغير اللّه تعالى وأتعبوا أنفسهم في غير ما يرضي اللّه تعالى ، فتصير أعمالهم وبالا عليهم ، ولا يجزون إلا جزاء ما استمروا على عمله من الكفر والمعاصي ، فأثر في نفوسهم وأرواحهم ، حتى دساها وأفسدها ، فقد مضت سننه تعالى بجعل الجزاء في الآخرة أثرا للعمل ، مرتبا عليه ، كترتيب المسبب على السبب
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
في جزائه مثقال ذرة
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى
؛ أي :
وصاغ بنو إسرائيل
مِنْ بَعْدِهِ
؛ أي : من بعد انطلاق موسى عليه السلام وذهابه إلى الجبل لمناجاة ربه ، وفاء للموعود الذي وعده إياه
مِنْ حُلِيِّهِمْ
؛ أي : من حلي القبط وذهبهم التي استعاروها منهم لعلة العرس
عِجْلًا
، أي : تبيعا وأبدل منه قوله :
جَسَداً
؛ أي : جرما وتمثالا ، لدفع توهم أنّه صورة عجل منقوشة على حائط مثلا
لَهُ خُوارٌ
؛ أي : له صوت مثل صوت تبيع البقر ؛ أي : صاغ لهم موسى السامري - رجل منهم ، وكان رجلا مطاعا فيهم ، ذا منزلة واحترام ؛ لأنّه رباه جبريل في الجبل - ،
مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً
وتمثالا على صورة عجل البقر ، له صوت وصياح ، فقال لهم : هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه ، وإنّما نسب الاتخاذ إليهم - مع أن الصائغ له هو موسى السامري - لأنّه عمله برأي جمهورهم الذين طلبوا أن يجعل لهم إلها يعبدونه .
قيل « 1 » : إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ، ويستعيرون من القبط الحلي ، فلما أغرق اللّه القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، وصارت ملكا لهم ، فجمع السامري تلك الحلي - وكان رجلا مطاعا فيهم ، صائغا - فصاغ السامري عجلا ، وأخذ كفا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام ، فألقاه في جوف ذلك العجل ، فانقلب لحما ودما ، وظهر منه الخوار مرة واحدة ، فقال السامري : هذا إلهكم وإله موسى عليه السلام ، وكان « 2 » اسم السامري موسى بن ظفر ، من قرية تسمى سامرة ، وكان ابن زنا ، وضعته أمه في جبل فأرسل اللّه جبريل فصار يرضعه من إصبعه ، فكان يعرفه إذا نزل إلى الأرض ، فلما نزل جبريل يوم غرق فرعون ، وكان راكبا فرسا ، فكان كل شيء وطئه بحافرها يخضر
هامش
( 1 ) المراح .
( 2 ) الصاوي .