وقيل المعنى
« 1 » : ما كان اللّه سبحانه وتعالى مهلك أهل القرى بظلم منه ، فهو سبحانه وتعالى يتعالى عن الظلم ، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء ، وقيل : المعنى أن اللّه لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك ، فهو مثل قوله :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
.
وَلِكُلٍّ
من « 2 » المكلفين من الجن والإنس مؤمنهم وكافرهم
دَرَجاتٌ
متفاوتة ومراتب مختلفة
مِمَّا عَمِلُوا
؛ أي : من جزاء أعمالهم خيرا أو شرا ، فيجازيهم بأعمالهم وتفاوتها بنسبة بعضهم إلى بعض ، أو بنسبة عمل كل عامل ، فيكون هو في درجة ، فيترقى إلى أخرى كاملة ثم إلى أكمل .
والمعنى « 3 » : ولكل عامل بطاعة اللّه أو بمعصيته درجات ؛ أي : منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر ، وإنما سميت درجات ؛ لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج ، وهذا إنما يكون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا ، فمنهم من هو أعظم ثوابا ، ومنهم من هو أشد عقابا ، وهو قول جمهور المفسرين .
وقيل : إن قوله تعالى :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
مختص بأهل الطاعة ؛ لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم
وَما رَبُّكَ
يا محمد
بِغافِلٍ
؛ أي : بساه
عَمَّا يَعْمَلُونَ
؛ أي : عما يعمل المكلفون من الثقلين من أعمال الخير أو الشر . والغفلة « 4 » ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره . وقرأ ابن عامر :
تعملون - بالتاء الفوقية - وقرأ الباقون بالتحتية ؛ أي : فكل « 5 » عملهم يعلمه ربهم ، وهو محصيه عليهم ومجازيهم بالسيئة سيئة مثلها ، ويضاعف الحسنات من فضله عند لقائهم إياه ومعادهم إليه .
وفي الآية : إيماء إلى أن مناط السعادة والشقاء هو عمل الإنسان ومشيئته ،
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) البحر المحيط .
( 3 ) الخازن .
( 4 ) الشوكاني .
( 5 ) المراغي .