تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وَ
بعد أن قامت عليهم الحجة
شَهِدُوا
في الآخرة
عَلى أَنْفُسِهِمْ
ب
أَنَّهُمْ كانُوا
في الدنيا
كافِرِينَ
بتلك الآيات والنذر التي جاءت بها الرسل حين رأوا أنه لا يجديهم الكذب ، ولا تنفعهم المكابرة . والكفر بالرسل ضربان : كفر بتكذيبهم بالقول ، وكفر بعدم الإذعان النفسي الذي يتبعه العمل بحسب سنن اللّه في ترتيب الأعمال على الطباع والأخلاق .
ذلِكَ
المذكور من إتيان الرسل يقصون على الأمم آيات اللّه لإصلاح حال الأفراد والجماعات في شؤونهم الدنيوية والأخروية ، وينذرونهم يوم الحشر والجزاء بسبب
أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
؛ أي بسبب أن اللّه سبحانه وتعالى لم يكن من سننه في تربية خلقه أن يهلك الأمم بعذاب الاستئصال الذي أوعد به مكذبي الرسل بسبب ظلم من يظلم منهم
وَأَهْلُها غافِلُونَ
؛ أي : والحال أنهم غافلون إن لم يرسل إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم ، وينذرهم من عذاب اللّه إن لم يؤمنوا ، بل يسبق هلاك كل أمة إرسال رسول يبلغها ما يجب أن تكون عليه من الصلاح والحق بما يقصه عليها من آيات الوحي في عصره ، أو بما ينقله إليها من يبلغونها دعوته من بعده ؛ إذ من حكمة اللّه تعالى في الأمم جعل ما يحل بها من عقاب جزاء على عمل استحقته به ، فيكون عقابها تربية لها وزجرا لسواها .

والخلاصة

« 1 » : أن اللّه تعالى لا يظلم أحدا من خلقه ، بل هم الذين يظلمون أنفسهم ، وأن الإهانة والتعذيب تربية لهم ، وتأديب وزجر لغيرهم ، وأن هذا العقاب للأمم منه ما هو في الدنيا ومنه ما هو في الآخرة ، ومن الأول عذاب الاستئصال لمن عاندوا الرسل بعد أن جاءوهم بما اقترحوا عليهم من الآيات الكونية ، وبعد أن أنذروهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا بها كما حصل لعاد وثمود ، وقد انقطع ذلك بانقطاع الرسل . وهلاك الأمم يكون بما يغلب عليها من الظلم أو الفسق والفجور الذي يفسد الأخلاق ، ويقطع روابط المجتمع ، ويجعل بأس الأمة بينها شديدا .
هامش
( 1 ) المراغي .