تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
وشهد لهم بذلك أعداؤهم ، حتى قال مؤرخو الإفرنج : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب . وقرأ زيد بن ثابت : ذَرِّية - بفتح الذال - وكذا في آل عمران ، وأبان بن عثمان : ذَرِية - بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة - وعنه ذَرْية على وزن ضَرْبة . وبعد أن أنذرهم عذاب الدنيا وهلاكهم فيها أنذرهم عذاب الآخرة ، فقال :
إِنَّ ما تُوعَدُونَ
ه من جزاء الآخرة بعد البعث
لَآتٍ
لا محالة ولا مرد له ، فإن اللّه لا يخلف الميعاد
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
اللّه بهرب ولا منع مما يريد ، ولا فائتين عما هو نازل بكم وواقع عليكم ، فهو القادر على إعادتكم كما قدر على بدء خلقكم ، وهذا دليل قد ذكره اللّه تعالى في كتابه مرات كثيرة ، وقد أنار العلم في هذا العصر أمر البعث وقربه إلى العقول ، فأثبت أن هلاك الأشياء وفناءها ما هو إلا تحلل موادها وتفرقها ، وأنه يمكن تركيب المواد المتفرقة وإرجاعها إلى تركيبها الأول في غير الأحياء . ثم تمم الوعيد والتهديد بأمره لرسوله أن ينذرهم بقوله :
قُلْ
يا محمد لهؤلاء المشركين
يا قَوْمِ اعْمَلُوا
واثبتوا
عَلى مَكانَتِكُمْ
وطريقتكم التي أنتم عليها من الشرك والعداوة ، فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم
إِنِّي عامِلٌ
وثابت على مكانتي وطريقتي التي رباني ربي عليها وهداني إليها ، وأقامني عليها من الإسلام والمصابرة
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
بعد حين
مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ
؛ أي : من تكون له العاقبة المحمودة التي يحمد عليها صاحبها في هذه الدار ؛ أي : من له النصر في دار الدنيا ، ومن له وراثة الأرض ومن له الدرجات العلى في الآخرة . وفي « الفتوحات » العاقبة المحمودة : هي الاستراحة واطمئنان الخاطر ، وهذه حاصلة في الدار الآخرة التي هي الجنة ، فحصلت المغايرة بين الظرف والمظروف ، انتهت . ويحتمل أن يراد بعاقبة الدار مآل الدنيا بالنصر والظهور ، ففي الآية إعلام بغيب . وفي قوله :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ
ترديد بينه عليه السلام وبينهم ، ومعلوم أن هذا التهديد والوعيد مختص بهم ، وإن عاقبة الدار الحسنى هي له صلى اللّه عليه وسلم . قرأ أبو بكر : على مكاناتكم - على الجمع حيث وقع - فمن جمع قابل جمع المخاطبين بالجمع ، ومن أفرد فعلى الجنس .