تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
منهم أنهم قالوا :
إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
فهذا ظاهر في أنه كان مرسلا إليهم فنؤمن بذلك ، ونفوض الأمر فيما عداه إلى اللّه ، ثم بين سبحانه وظيفة الرسل الذين أرسلهم اللّه إلى الفريقين بقوله :
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي
؛ أي : يقول اللّه سبحانه وتعالى يوم القيامة لكفار الجن والإنس على سبيل التقريع والتوبيخ والتقرير يا معشر الجن والإنس ، ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آياتي ؛ أي : يخبرونكم بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي المبينة لأصول الإيمان ، وأحاسن الآداب والفضائل ، والمفصلة لأحكام التشريع التي من ثمراتها صلاح الأعمال والنجاة من الأهوال
وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
؛ أي : ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا ؛ وهو يوم الحشر الذي عاينوا فيه ما أعد لهم من أنواع العقوبات الهائلة ، ثم أجابوا عن سؤال فهم من الكلام السابق كأنه قيل : فما ذا قالوا حين ذلك التوبيخ الشديد ؟ فقيل :
قالُوا
أي : قال كفار الجن والإنس
شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
؛ أي : شهدنا واعترفنا وأقررنا بإتيان الرسل إيانا ، وبإنذارهم لنا ، وبمقابلتنا لهم بالكفر والتكذيب ، وفي هذا الجواب اعتراف صريح بكفرهم وإقرار بأن الرسل قد أتوهم وبلغوهم دعوتهم إما مشافهة أو نقلا عمن سمعوا منهم . وهذا موطن من مواطن يوم القيامة ، وفي موطن آخر لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، وفي موطن ثالث يكذبون على أنفسهم بما ينكرون من كفرهم ، وأنهم قدموا شيئا من السيئات والخطايا ، ونحو الآية :
قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
. وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
؛ أي : غرتهم وخدعتهم عن الآخرة زينة الحياة الدنيا ومتاعها من الشهوات والأموال والأولاد وحب السلطان على الناس وعظيم الجاه ، فكفروا بالرسل عنادا وكبرا ، وقلدهم في ذلك أتباعهم ، واغتر كل منهم بما يغتر به من التعاون مع الآخر . وأما غرور غيرهم ممن جاء بعدهم بالدنيا ، فلما غلب عليهم من الإسراف في الشهوات المحرمة والجاه الباطل ، حتى لقد أصبحت الحظوة بين الناس لذوي المال والنسب مهما اجترحوا من الموبقات ، وأبسلوا من المكارم والخيرات .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 61 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي