تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وآدابه ومعاملاته للناس كمن مثله المبين لحاله مثل السائر في ظلمات بعضها فوق بعض ظلمة الليل ، وظلمة السحاب ، وظلمة المطر ؛ وهو ليس بخارج منها ؛ لأنه يبقى متحيرا لا يهتدي إلى وجه صلاحه ، فيستولي عليه الخوف والفزع والعجز والحيرة الدائمة ، وكذلك الخابط في ظلمات الجهل والتقليد ، وفساد الفطرة ليس بخارج منها ؛ لأنها قد أحاطت به وألفتها نفسه ، فلم يعد يشعر بالحاجة إلى الخروج منها إلى النور ، بل ربما شعر بالألم من هذا النور المعنوي كما يألم الخفاش بالنظر إلى النور الحسي ، وإنما فسرنا الحياة في الآية بالهداية ؛ لأنه كثيرا ما تستعار الحياة للهداية وللعلم ، ومنه قول القائل :
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * فأجسامهم قبل القبور قبور
وإنّ امرأ لم يحي بالعلم ميّت * فليس له حتّى النّشور نشور

والخلاصة

« 1 » : أنه ينبغي للمسلم أن يكون حيا عالما على بصيرة في دينه وأعماله وحسن سيرته ، وأن يكون القدوة والأسوة للناس في الفضائل والخيرات ، والحجة على فضل دينه على سائر الأديان ، وإنما قال :
فِي النَّاسِ
إشارة إلى تنويره على نفسه وعلى غيره من الناس ، فذكر أن منفعة المؤمن ليست قاصرة على نفسه ، وهذا « 2 » مثل ضربه اللّه تعالى لحال المؤمن والكافر ، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فأحياه وأعطاه نورا يهتدي به في مصالحه ، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها ليس بخارج منها ، فيكون متحيرا على الدوام . ووجه « 3 » المناسبة في ضرب المثلين هنا ما تقدم في أول السورة
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
.
كَذلِكَ
؛ أي : كما زين للمؤمنين إيمانهم
زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ
والمشركين
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
من الشرك والمعاصي وعبادة الأصنام ؛ أي « 4 » : حسّنّا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة قدرا من اللّه وحكمة بالغة ، لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ؛ أي : مثل هذا التزيين الذي تضمنه المثل السابق ، وهو تزيين نور الهدى والدين لمن أحياه اللّه حياة عالية ، وتزيين ظلمات
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) الخازن . ( 3 ) ابن كثير . ( 4 ) ابن كثير .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 46 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي