الحق والهدى مصدقون ومقرون بأنه من عند اللّه ، وأن اللّه أمر به ، وعن أمر اللّه دعانا صالح . وفي جوابهم هذا دون أن يقولوا نعم ، أو نعلم أنه مرسل منه ، أو إنا برسالته عالمون إيماء إلى أنهم علموا بذلك علما يقينيا إذعانيّا له السلطان على عقولهم وقلوبهم ، وما كل من يعلم شيئا يصل علمه إلى هذه المرتبة ، بل من الناس من يعلم الشيء بالبرهان ، لكنه يجحده ويحاربه ، وهو موقن به حسدا لأهله ، أو استكبارا عنه كما قال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
.
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
عن أمر اللّه ، وأمر رسوله صالح
إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ
؛ أي : صدقتم به من نبوة صالح ، وأن الذي جاء به هو الحق
كافِرُونَ
؛ أي : جاحدون منكرون لا نصدق به ولا نقر . وإنما لم يقولوا : إنا بالذي أرسل به صالح كافرون ؛ لأن ذلك يتضمن إثبات الرسالة ، فلو قالوه لكان شهادة منهم على أنفسهم بجحود الحق على علمهم به استكبارا وعنادا .
ثم ذكر ما فعلوه مما يدل على كفرهم بآيات ربهم ، فقال :
فَعَقَرُوا
؛ أي :
عقر أولئك المستكبرون
النَّاقَةَ
؛ أي : ناقة صالح وقتلوها ، ونسب الفعل إليهم جميعا ، والفاعل واحد منهم ، وهو « 1 » قدار بن سالف ، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه ابن زانية ، ولم يكن لسالف ، ولكنه ولد على فراشه ، وكان قدار عزيزا متبعا في قومه قتلها بأمرهم في يوم الأربعاء ، فقال لهم صالح : إن آية العذاب أن تصبحوا غدا صفرا ، ثم أن تصبحوا يوم الجمعة حمرا ، ثم أن تصبحوا يوم السبت سودا ، ثم يصبحكم العذاب يوم الأحد ؛ أي : نسب الفعل إليهم مع كون العاقر واحدا منهم كما جاء في سورة القمر :
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 )
وجاء في « صحيح البخاري » مرفوعا : « فانتدب لها رجل ذو عزة ومنعة في قومه كأبي زمعة ؛ لأنهم لما اتفقوا عليه ورضوا به صاروا كأنهم فعلوه جميعا » . وفي ذلك تهويل وتفظيع لأمرهم ، وإن أضراره ستصيبهم جميعا ، ومثل هذا من الأعمال ينسب إلى الأمة في جملتها ، وتعاقب عليه جميعها كما قال تعالى :
هامش
( 1 ) المراح .