تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
نظام هذا العالم وما ينتهي إليه ، وكما أعلم ما بعده من أمر الآخرة والحساب والجزاء ، فإذا نصحت لكم ، وأنذرتكم عاقبة شكركم من إنزال العذاب بكم في الدنيا إذا جحدتم وعاندتم . . فإنما أنصح لكم عن علم يقيني لا تعلمونه . قال ابن « 1 » عطية : وما أحسن سياق هذه الأفعال ، قال أولا :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
، وهذا مبدأ أمره معهم ؛ وهو التبليغ كما قال :
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
، ثم قال :
وَأَنْصَحُ لَكُمْ
؛ أي : أخلص لكم في تبيين الرشد والسلامة في العاقبة إذا عبدتم اللّه وحده ، ثم قال وأعلم من اللّه ما لا تعلمون من بطشه بكم ، وهو مآل أمركم إذا لم تفردوه بالعبادة ، فنبه على مبدأ أمره ومنتهاه معهم . انتهى . والهمزة في قوله :
أَ وَعَجِبْتُمْ
للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف ، والواو عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف ؛ أي : أكذبتم وعجبتم من
أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ
؛ أي : موعظة ووحي كائن
مِنْ رَبِّكُمْ
؛ أي : من مالك أموركم
عَلى
لسان
رَجُلٍ مِنْكُمْ
؛ أي : من جنسكم تعرفونه ، ولم يكن ذلك على لسان من لا تعرفونه ، أو لا تعرفون لغته ، فإنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ، ويقولون : لو شاء ربنا لأنزل ملائكة . وقوله :
لِيُنْذِرَكُمْ
علة للمجيء ؛ أي : جاءكم ليحذركم ، ويخوفكم عاقبة الكفر والمعاصي . وقوله :
وَلِتَتَّقُوا
عبادة غير اللّه علة ثانية مرتبة على التي قبلها . وقوله :
وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
؛ أي : ولكي ترحموا بالتقوى ، فلا تعذبوا علة ثالثة مرتبة على التي قبلها ، وهذا الترتيب في غاية الحسن ، فإن المقصود من البعثة الإنذار ، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة . وفائدة حرف الترجي هنا « 2 » : التنبيه على عزة المطلب ، وأن التقوى غير موجبة للرحمة ، بل هي منوطة بفضل اللّه تعالى ، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ، ولا يأمن عذاب اللّه تعالى . والمعنى : أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم ، ليحذركم عاقبة كفرهم ، ويعلمكم
هامش
( 1 ) البحر المحيط . ( 2 ) الكرخي .