نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
ولو كان محض رأي أئمة المذاهب واتباعهم حجة على العباد . .
لكان لهذه الأمة رسل كثيرة متعددون بعدد أهل الرأي المكلفين للناس بما لم يكلفهم اللّه به ، وإن من أعجب الغفلة ، وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلدة لآراء الرجال مع وجود كتاب اللّه ، ووجود سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ووجود من يأخذونهما عنه ، ووجود آلة الفهم لديهم ، وملكة العقل عندهم .
وبعد أن أنكر عليهم أن يكونوا على علم بأمر اللّه فيما فعلوا . . بين ما يأمر به من محاسن الأعمال ، ومكارم الأخلاق بقوله لرسوله :
قُلْ
لهم يا محمد :
إنما
أَمَرَ
ني
رَبِّي بِالْقِسْطِ
؛ أي : بالاستقامة ، والعدل في الأمور كلها ، فأطيعوه ، وقوله :
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
معطوف على المحذوف المقدر ، أو على معنى
بِالْقِسْطِ
قال لهم : أمرني ربي بالقسط ، فأقسطوا في الأمور كلها ، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ؛ أي « 1 » : وجهوا وجوهكم في الصلاة إلى القبلة في أي مسجد كنتم فيه ، أو في كل وقت سجود ، أو في كل مكان سجود على أن المراد بالسجود الصلاة ، أو المعنى « 2 » أعطوا توجهكم إلى اللّه تعالى حقه من صحة النية ، وحضور القلب ، وصرف الشواغل عند كل مسجد تعبدونه فيه سواء كانت العبادة طوافا ، أو صلاة ، أو ذكرا
وَادْعُوهُ
سبحانه وتعالى ؛ أي : واعبدوه وحده حالة كونكم
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
والعبادة ، ولا تتوجهوا إلى غيره من عباده المكرمين زعما منكم أنهم يشفعون لكم عند ربكم ، ويقربونكم إليه زلفى ، وقد جعلتم هذا من الدين افتراء على اللّه ، وقولا عليه بغير علم .
وبعد أن أبان أصل الدين ومناط الأمر والنهي فيه . . ذكرنا بالبعث والجزاء على الأعمال ، فقال :
كَما بَدَأَكُمْ
وأنشأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته
تَعُودُونَ
إليه سبحانه وتعالى بالبعث يوم القيامة ،
وأنتم فريقان سعداء وأشقياء
فَرِيقاً
منكم
هَدى
ه اللّه سبحانه وتعالى في الدنيا ببعثة الرسل ، فاهتدى بهديهم ، وأقام
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) المراغي .