الأربعة المذكورة في الآية الأخيرة أمورا غامضة لا بد فيها من الاجتهاد في الفكر حتى يقف على موضع الاعتدال . . ختمت بقوله :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
. وجملة ما ذكر في هاتين الآيتين من المحرمات تسعة أشياء : خمسة بصيغ النهي ، وأربعة بصيغ الأمر ، وتؤول الأوامر بالنهي ؛ لأجل التناسب ، وهذه الأحكام لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار .
وقرأ حفص وحمزة والكسائي « 1 » : تذكّرون حيث وقع بتخفيف الذال حذف التاء ؛ إذ أصله : تتذكرون ، وفي المحذوف خلاف ، أهي تاء المضارعة أو تاء تفعل ؟ وقرأ باقي السبعة : تذّكرون - بتشديد الذال - أدغم تاء تفعّل في الذال .
والعاشر : ما ذكره بقوله : وَأَنَّ هذا
الذي « 2 » وصيتكم به وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو .
صِراطِي
؛ أي : طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي حالة كونه
مُسْتَقِيماً
؛ أي : قويما مستويا لا اعوجاج فيه
فَاتَّبِعُوهُ
؛ أي : فاسلكوه واعملوا بمقتضاه من تحريم وتحليل ، وأمر ونهي وإباحة
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
؛ أي : ولا تسلكوا الطرق المختلفة ، والأهواء المضلة ، والبدع الرديئة . وقيل :
السبل المختلفة مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
؛ أي : فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة
عَنْ سَبِيلِهِ
؛ أي : عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده .
وقرأ الجمهور :
فَتَفَرَّقَ
بتاء خفيفة ، وقرأ البزي فتّفرّق : بتشديدها .
فمن خفف حذف إحدى التاءين ، ومن شدد أدغم وقيل : معنى الآية ؛ أي : وإن « 3 » هذا القرآن الذي أدعوكم إليه ، وأدعوكم به إلى ما يحييكم هو صراطي ومنهاجي الذي أسلكه إلى مرضاة اللّه ، ونيل سعادة الدنيا والآخرة حال كونه مستقيما لا يضل سالكه ، ولا يهتدي تاركه ؛ فاتبعوه وحده ؛ ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه - وهي كثيرة - فتتفرق بكم عن سبيله بحيث يذهب كل منهم في سبيل
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) الخازن .
( 3 ) المراغي .