ومبلغهم إلى كمالهم اللائق بأن يدخلهم الجنة ، وعند متعلّق بما تعلّق به لهم من معنى الثبوت . أخبر سبحانه أن هؤلاء إذا آمنوا وعملوا الصالحات لم يؤاخذوا بقديم أعمالهم ، ولا بفعل آبائهم ، ولا ينقصون من أجور أعمالهم ، وقوله :
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
في الآخرة حين يخاف الكفار العقاب ، والجملة معطوفة على جملة قوله :
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
وقرأ الجمهور ولا خوف بالرفع والتنوين . وقرأ الحسن ولا خوف من غير تنوين
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
حين يحزن المقصّرون على تضييع العمر وتفويت الثواب ، ولا يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم النعيم المقيم ، والمراد بيان دوام انتفاء الخوف والحزن عنهم . وخلاصة الكلام : من أخلص إيمانه وأصلح عمله دخل الجنة .
قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ
تذكير « 1 » لجناية أخرى لأسلاف بني إسرائيل ؛ أي : واذكروا يا بني إسرائيل ! وقت أخذنا لعهد آبائكم على العمل بما في التوراة ، وذلك قبل التيه حين خرجوا مع موسى من مصر ونجوا من الغرق ؛ أي : واذكروا قصة حين أخذنا وطلبنا من آبائكم العهد المؤكد باليمين على قبول التوراة ، والعمل بما فيه ، واتباع موسى ، وأبيتم من إقراره وقبوله
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ
كأنه ظلّة حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق . والطور : جبل معروف بفلسطين ، والطور معناه : الجبل بالسريانية ، وذلك أنّ موسى عليه السلام جاءهم بالألواح ، فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقّة ، فكبرت عليهم ، وأبوا قبولها ، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله ، ورفعه ، وظلّله فوقهم ، وقال لهم موسى : إن قبلتم وإلا ألقى عليكم ، فلما رأوا أن لا مهرب لهم منها قبلوا ، وسجدوا ، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود ؛ لئلا ينزل عليهم ، فصارت عادة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ، ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب ، ثم رفع الجبل ليقبلوا التوراة لم يكن جبرا على الإسلام ؛ لأن الجبر ما يسلب الاختيار وهو جائز ، كالمحاربة مع الكفار ليدخلوا في الإسلام ، وأما قوله تعالى :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
وأمثاله فمنسوخ بالقتال . قال ابن عطية : والذي لا يصحّ
هامش
( 1 ) روح البيان .