تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
بِآياتِ اللَّهِ
؛ أي : إن « 1 » ما حل بهم من ضروب الذلة والمسكنة ، واستحقاق الغضب الإلهي ، كان بسبب ما استمرأته نفوسهم من الكفر بآيات اللّه التي آتاها موسى ، وهي معجزاته الباهرة التي شاهدوها ، فإن إعناتهم له وإحراجهم إياه دليل على أنه لا أثر للآيات في نفوسهم ، فهم لها جاحدون منكرون ، ويقتلون النبيين بغير الحق ، فهم قتلوا شعياء ، وزكرياء ، ويحيى ، وغيرهم بغير الحق ؛ أي : بغير شبهة عندهم تسوّغ هذا القتل ، فإن من يأتي الباطل قد يعتقد أنه حق ؛ لشبهة تعنّ له ، وكتابهم يحرّم عليهم قتل غير الأنبياء فضلا عن الأنبياء إلا بحق يوجب ذلك . وفي قوله :
بِغَيْرِ الْحَقِّ
مع أن قتل غير النبيين لا يكون إلا كذلك ، مزيد تشنيع بهم ، وتصريح بأنهم ما كانوا مخطئين في الفهم ، ولا متأوّلين للحكم ، بل هم ارتكبوه عامدين مخالفين لما شرع اللّه لهم في دينهم .
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
؛ أي : إن كفرهم بآيات اللّه ، وجرأتهم على النبيين بالقتل إنما كانا بسبب عصيانهم ، وتعدّيهم حدود دينهم ، فإن للدين هيبة في النفس تجعل المتديّن به يحذر مخالفة أمره ، حتى إذا تعدّى حدوده مرة ضعف ذلك السلطان الدينيّ في نفسه ، وكلما عاد إلى المخالفة كان ضعفه أشد إلى أن تصير المخالفة طبعا وعادة ، وكأنه ينسى حدود الدين ورسومه ، ولا يصبح للدين ذلك الأثر العميق الذي كان متغلغلا في قرارة نفسه ، ثم دعا اللّه سبحانه وتعالى أهل الملل من المؤمنين بألسنتهم ، واليهود ، والنصارى ، والصابئين إلى الإيمان الصادق وإخلاص العمل للّه ، وساقه بصيغة الخبر ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وهذه الآية معترضة بين قصص بني إسرائيل ؛ أي إنّ « 2 » الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب ، وهم المنافقون بقرينة انتظامهم في سلك الكفرة ، والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق ؛ للتصريح بأنّ تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعا أصلا ، ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا ،
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) روح البيان .