تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
قلنا « 1 » لهم ، أو قيل لهم : كلوا
وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ
الذي يأتيكم من غير كدّ منكم ، ولا تعب ، بل هو من محض فضل اللّه تعالى ، وإنعامه ؛ أي : وقلنا لهم : كلوا من المن والسلوى ، واشربوا من الأنهار الاثني عشر كلّها ، فالأكل يتعلّق بالأولين ، والشرب بالثالث . وإنما لم يقل من رزقنا ، كما يقتضيه قوله تعالى :
فَقُلْنَا
إيذانا بأن الأمر بالأكل ، والشرب لم يكن بطريق الخطاب ، بل بواسطة موسى عليه السلام .
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ
؛ أي : لا تعتدوا في الأرض حال كونكم
مُفْسِدِينَ
؛ أي : متمادين ومبالغين في الإفساد ، والطغيان بمخالفة موسى عليه السلام . وقال البيضاوي :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
« 2 » ؛ أي : لا تعتدوا حال إفسادكم ، وإنما قيّده به ؛ لأن العثيّ وإن غلب في الفساد ؛ فإنه قد يكون منه ما ليس بفساد ، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله ، ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا ، كقتل الخضر عليه السلام الغلام ، وخرقه السفينة . انتهى . والأصل في العثيّ : مطلق التعدّي ، وإن غلب في الفساد ، فيكون التقييد بالحال تقييدا للعامل بالخاص . وقوله :
اثْنَتا عَشْرَةَ
قرأ الجمهور
عَشْرَةَ
بسكون الشين . وقرأ مجاهد ، وطلحة ، وعيسى ، ويحيى بن وثاب ، وابن أبي ليلى ، ويزيد بكسر الشين . وروى ذلك ، نعيم السعيديّ ، عن أبي عمرو ، والمشهور عنه : الإسكان . وتقدم أنها لغة تميم ، وكسرهم لها نادر في قياسهم ؛ لأنهم يخفّفون فعلا ، يقولون في نمر : نمر . وقرأ ابن الفضل الأنصاري « 3 » ، والأعمش بفتح الشين . وروي عن الأعمش الإسكان ، والكسر أيضا . قال الزمخشري : الفتح لغة . وقال ابن عطية : هي لغة ضعيفة . وقال المهدويّ : فتح الشين غير معروف ، وإضافة المشرب إليهم في قوله :
مَشْرَبَهُمْ
؛ لأنه لمّا تخصص كلّ مشرب بمن تخصّص به ، صار كأنه ملك لهم ، وأعاد الضمير في مشربهم على معنى كل ، لا على لفظها ، ولا يجوز أن يعود على لفظها ، فيقال : مشربه ؛ لأن مراعاة المعنى هنا لازمة ؛ لأن كل قد
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) البيضاوي . ( 3 ) البحر المحيط .