والثالثة : افتتح « 1 » اللّه سبحانه وتعالى كتابه الكريم بالبسملة ؛ إرشادا لعباده أن يفتتحوا أعمالهم بها ، وقد ورد في الحديث : « كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر » ؛ أي : مقطوع الذّنب ناقص . وقد كان العرب قبل الإسلام ، يبدءون أعمالهم بأسماء آلهتهم ، فيقولون : باسم اللات ، أو باسم العزّى ، وكذلك كان يفعل غيرهم من الأمم ، فإذا أراد امرؤ منهم أن يفعل أمرا ؛ مرضاة لملك ، أو أمير يقول : أعمله باسم فلان ، إنّ ذلك العمل لا وجود له ، لولا ذلك الملك ، أو الأمير .
وإذا : فمعنى ابتدئ عملي باسم اللّه الرحمن الرحيم : أنني أعمله بأمر اللّه ، وللّه ، لا لحظّ نفسي وشهواتها ، ويمكن أن يكون المراد : أنّ القدرة التي أنشأت بها العمل هي من اللّه ، ولولا ما أعطاني من القدرة لم أفعل شيئا ، فأنا أبرأ من أن يكون عملي باسمي بل هو باسمه تعالى ، لأنني أستمدّ القوة والعون منه ، ولولا ذلك لم أقدر على عمله . وإذا فمعنى البسملة التي جاءت أول الكتاب الكريم : أنّ جميع ما في القرآن من الأحكام ، والشرائع ، والأخلاق ، والآداب ، والمواعظ هو للّه ، ومن اللّه ، ليس لأحد غيره فيه شيء .
وكأنّه قال : اقرأ يا محمد ! هذه السورة ب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
؛ أي :
اقرأها على أنّها من اللّه لا منك ، فإنّه أنزلها عليك ؛ لتهديهم بها إلى ما فيه خيرهم ، وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، وكذلك كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، يقصد من تلاوتها على أمّته ؛ أنه يقرأ عليهم هذه السورة باسم اللّه لا باسمه ؛ أي : أنّها من اللّه لا منه ، فإنّما هو مبلّغ عنه تبارك وتعالى ، كما جاء في قوله :
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ
.
والرابعة : ندب « 2 » الشرع إلى ذكر البسملة في أوّل كلّ فعل ، كالأكل ،
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) القرطبي .