تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
سواهم ، اعتقادا منهم بأنهم شعب اللّه ، وأفضل خلقه ؛ فهال المصريين ما رأوا ، وخافوا إذا هم كثروا أن يغلبوهم على بلادهم ، ويستأثروا بخيراتها ، وينتزعوها من بين أيديهم ، وهم ذلك الشعب النشيط ، المجدّ ، العامل ، المفكّر ، فعملوا على انقراضهم بقتل ذكرانهم ، واستحياء بناتهم ، فأمر فرعون القوابل أن يقتلن كل ذكر إسرائيلي حين ولادته ، فكان من أمرهم ما ذكره اللّه سبحانه بقوله :
يَسُومُونَكُمْ . . .
إلخ . والعبرة من هذه القصص : أنه كما أنعم على اليهود ، ثمّ اجترحوا الآثام ، فعاقبهم بصنوف البلاء ، ثم تاب عليهم وأنجاهم أنعم على الأمة الإسلامية بضروب من النعم ، فقد كانوا أعداء ، فألّف بين قلوبهم ، وأصبحوا بنعمته إخوانا ، وكانوا مستضعفين في الأرض ، فمكّن لهم وأورثهم أرض الشعوب القوية ، وجعل لهم فيها السلطان والقوة ، وجعلهم أمة وسطا لا تفريط لديها ولا إفراط ، ليكونوا شهداء على من فرّطوا ، أو قصّروا . ثم لما كفروا بهذه النعم « 1 » ، أذاقهم اللّه تعالى ألوانا من العذاب على يد التّتار في بغداد ، وفي الحروب الصليبية ، إذ جاس الغربيون خلال الديار الإسلامية ، ولا يزالون ينتقصون بلادهم من أطرافها ، ويصبون عليهم العذاب ، وهم لاهون ساهون ، وكلما حلت كارثة ، أو أصابتهم جائحة ، أحالوا الأمر فيها على القضاء والقدر ، دون أن يتعرّفوا أسبابها ، ويبادروا إلى علاجها ، ويكونوا يدا واحدة على رفع ما يحل بهم من النكبات ، ويدهمهم من الويلات . وقوله :
يَسُومُونَكُمْ
حال من آل فرعون ؛ أي : واذكروا قصة وقت تنجيتنا آباءكم من آل فرعون وقومه ، حالة كونهم يذيقونكم
سُوءَ الْعَذابِ
وأشده ، ويكلفونكم أشقّ الأشغال ، وأتعبها ، وأصعبها . وقيل : حال من ضمير المفعول في نجيناكم ، والمعنى : نجيناكم مسومين منهم أقبح العذاب ، كقولك : رأيت زيدا يضربه عمرو ؛ أي : حال كونه مضروبا لعمرو . وذلك « 2 » أنّ فرعون جعل بني إسرائيل
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) روح البيان .