محمد وتبعوه تفوتهم تلك الفوائد ، فغيروا نعته بالكتابة ، فكتبوا في التوراة بدل أوصافه أضدادها ، وكانوا إذا سئلوا عن أوصافه كتموها ، ولم يذكروها ، فأشار إلى التغيير بالكتابة بقوله :
وَلا تَشْتَرُوا
وَلا تَلْبِسُوا
وإلى الكتمان بقوله :
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ
. اه .
وَإِيَّايَ
لا غيري
فَاتَّقُونِ
؛ أي : فاخشون في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا ما يفوتكم من الرئاسة ؛ أي « 1 » : فاتقون بالإيمان واتباع الحق ، والإعراض عن حطام الدنيا وأعاده ؛ لأن معنى الأول اخشوني في نقض العهد ، وهذا معناه في كتمان نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو لأنّ الخطاب بالآية الأولى ، لمّا عمّ العالم والمقلّد أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السّلوك ، وبالثانية لمّا خصّ أهل العلم ، أمرهم بالتقوى الذي هو منتهاه .
وَلا تَلْبِسُوا
؛ أي : ولا تخلطوا
الْحَقَّ
المنزّل من عندي في أوصاف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
بِالْباطِلِ
المخترع من عندكم ؛ أي : لا تخلطوا الحقّ الذي أنزلت عليكم في التوراة ، من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالكذب الذي تكتبونه بأيديكم ، من تغيير صفته ، وتبديل نعته ، وهو معطوف « 2 » على ما قبله . واللّبس بالفتح : الخلط ؛ أي :
لا تخلطوا الحقّ المنزّل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميّز بينهما ، أو لا تجعلوا الحقّ ملتبسا ، بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله ، أو تذكرونه في تأويله .
وفي « البحر »
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
؛ أي : الصدق « 3 » بالكذب ، قاله ابن عباس ، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام ، قاله مجاهد ، أو التوراة بما كتبوه بأيديهم فيها من غيرها ، أو بما بدّلوا فيها من ذكر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قاله ابن زيد ، أو الأمانة بالخيانة ؛ لأنهم ائتمنوا على إبداء ما في التوراة ، فخانوا في ذلك بكتمانه وتبديله ، أو الإقرار بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى غيرهم ، وجحدهم أنه ما بعث إليهم ، قاله أبو العالية ، أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم ، أو صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بصفة
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .
( 3 ) البحر المحيط .