تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
فإن وظيفتكم أن تكونوا أول من آمن به ؛ لمّا أنكم تعرفون شأنه وحقيقته بطريق التلقي ، مما معكم من الكتب الإلهية ، كما تعرفون أبناءكم ، وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون ، فلا تضعوا موضع ما يتوقع منكم ، ويجب عليكم ما لا يتوهم صدوره عنكم ، من كونكم أول كافر به . ودلت الآية : على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة ، فكذبه يهود المدينة ، ثم بنو قريظة ، وبنو النضير ، ثم خيبر ، ثم تتابعت على ذلك سائر اليهود . وإنما « 1 » قال : أول كافر به ، مع أنه قد تقدمهم إلى الكفر به كفار قريش ؛ لأن المراد أول كافر به من أهل الكتاب ؛ لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء ، وما يلزم من التصديق . وقيل : مفهوم الصفة غير مراد هنا ، فلا يرد ما يقال : إن المعنى : ولا تكونوا أول كافر بل آخر كافر ، وإنما ذكرت الأولية ؛ لأنها أفحش لما فيها من الابتداء بالكفر . وقيل : الضمير في به عائد إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ أي : لا تكونوا أول كافر بهذا النبي ، مع كونكم قد وجدتموه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل ، مبشرا به في الكتب المنزلة عليكم . وقيل : عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله :
لِما مَعَكُمْ
، وإنما قال : أول كافر به بالإفراد ، ولم يقل كافرين : حتى يطابق ما قبله ؛ لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد اللفظ ، متعدد المعنى ، نحو : فريق ، أو فوج . وقال الأخفش ، والفراء : إنه محمول على معنى الفعل ؛ لأن المعنى أول من كفر ، وقد يكون من باب قولهم : هو أظرف الفتيان ، وأجمله ، كما حكى ذلك سيبويه ، فيكون هذا المفرد قائما مقام الجمع . والمعنى « 2 » : وآمنوا يا أهل الكتاب ! بما أنزلته على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، من القرآن ، وصدقوا أنه من عندي ، حالة كون ذلك المنزل مصدقا ، وموافقا لما معكم ؛ أي : للكتاب الذي معكم من التوراة والإنجيل في التوحيد ، وصفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبعض الشرائع ، ولا تكونوا أيها اليهود أول من يكفر بهذا القرآن من أهل الكتاب ؛ لأنكم إذا كفرتم به كفر أتباعكم ، فتكونوا أئمة في الضلال ، أو لا تكونوا أول من جحد مع المعرفة ؛ لأن كفر قريش مع الجهل لا مع المعرفة .
هامش
( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) العمدة .