تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
في الهبوط في زمان واحد ، أو في أزمنة متفرقة ، وكرر « 1 » الأمر بالهبوط ؛ للتأكيد ، وإيذانا بتحتم مقتضاه ، وتحققه لا محالة ، ودفعا لما عسى يقع في أمنيته عليه السلام ، من استتباع قبول التوبة للعفو عن ذلك ؛ ولأن الأول : دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ، ولا يخلدون . والثاني : أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فاختلف المقصود ، وكان يصح لو قرن المعنيان بذكر الهبوط مرة ، لكن اعترض بينهما كلام ، وهو تلقّيه الكلمات ، ونيله قبول التوبة ، فأعاد الأول ليتصل المعنى الثاني به ، وهو الابتلاء بالعبادة ، والثواب على الطاعة ، والعقاب على المعصية . وقيل : الأول من الجنة إلى السماء الدنيا . والثاني : منها إلى الأرض . قال في « الإرشاد » « 2 » والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة والنجاح ، وما فيه من وعيد العقاب ، فليس بمقصود من التكليف قصدا أوليا ، بل إنما هو دائر على سوء اختيار المكلفين ، ثم إن في الآية دليلا على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها ؛ لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصية واحدة ، وهذا كما قال القائل :
إذا تمّ أمر دنا نقصه * توقّع زوالا إذا قيل تم
إذا كنت في نعمة فارعها * فإن المعاصي تزيل النعم
قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي
، يا ذرية آدم ؛ أي : إن يأتينكم مني ، فما مزيدة ، والفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر به
هُدىً
؛ أي : رشد وبيان شريعة ، برسول أبعثه إليكم ، وكتاب أنزله عليكم ، والخطاب في قوله :
يَأْتِيَنَّكُمْ
لآدم ، والمراد ذريته ، وإبليس وذريته ، لم يأتهم كتاب ولا رسول ، ولا يكون منهم أتباع . وجواب الشرط الأول ، هو الشرط الثاني مع جوابه ، وهو قوله تعالى :
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ
؛ أي : اقتدى برسولي ، وتمسك بشريعتي . وكرّر « 3 » لفظ الهدى ، ولم
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) أبو السعود . ( 3 ) روح البيان .