تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
إِلَّا إِبْلِيسَ
؛ أي : ما سجد ؛ لأنه خلق من النار ، والنار من شأنها الاستكبار ، وطلب العلو طبعا ، وسمي إبليس ؛ لأنه أبلس من رحمة اللّه ؛ أي : أيس . وللعلماء في هذا الاستثناء قولان : القول الأول : أنه استثناء متصل ؛ لأن إبليس كان جنيا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة ، مغمورا بهم ، متصفا بصفاتهم ، فغلبوا عليه في قوله :
فَسَجَدُوا
ثم استثني منهم استثناء واحد منهم ، وأكثر المفسرين : أن إبليس من الملائكة ؛ لأن خطاب السجود كان مع الملائكة ، فعلى هذا كان منهم ثم أبلس وغضب عليه ، ولعن ، فصار شيطانا . قال البغوي : وهو الأصح وعليه الجمهور ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وابن المسيب ، وغيرهم . قال في « التيسير » : أما وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون ، فذلك دليل تصوّر العصيان منهم ، ولولا التصوّر لما مدحوا به ، لكن طاعتهم طبع ، وعصيانهم تكلّف ، وطاعة البشر تكلّف ، ومتابعة الهوى منهم طبع ، ولا يستنكر من الملائكة تصوّر العصيان ، فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر . والقول الثاني : أنه منقطع ؛ لأنه لم يكن من الملائكة ، بل كان من الجن بالنص ، قال تعالى :
كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
وروى ابن مسعود ، وشهر بن حوشب . أنه من الجن الذين كانوا في الأرض ، وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا ، وتعبّد مع الملائكة ، وخوطب معهم . وعن الحافظ : أن الجن والملائكة جنس واحد ، فمن طهر منهم فهو ملك ، ومن خبث فهو شيطان ، ومن كان بين بين فهو جن
أَبى
؛ أي : امتنع عما أمر به من السجود والإباء امتناع باختيار
وَاسْتَكْبَرَ
؛ أي : تعظم وأظهر كبره ، ولم يتخذه وصلة في عبادة ربه ، أو تعظيمه ، وتلقيه بالتحية والتكبر ، أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره ، والاستكبار طلب ذلك بالتشبّع ؛ أي : بالتزين بالباطل وبما ليس له ، ولكن السين هنا للمبالغة لا للطب ، وتقديم الإباء على الاستكبار مع كونه مسبّبا عنه ؛ لظهوره ووضوح أثره ، فعطفه عليه من عطف العلة على المعلول ؛ أي : أبى وامتنع لكبره ، كما في « الصاوي » .