وقول الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها . . .
الآية . ليس « 1 » اعتراضا على اللّه ، ولا حسدا لبني آدم ؛ وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك . يقولون : ما الحكمة في خلق هؤلاء ، مع أن منهم من يفسد في الأرض ؟
وإنما « 2 » علمت الملائكة أن بني آدم يفسدون في الأرض ، بإعلام اللّه إياهم ذلك ، وقيل : كان في الأرض جنّ فأفسدوا فيها ، فبعث اللّه إليهم ملائكة فقتلوهم ، فقاست الملائكة بني آدم عليهم . وروى « 3 » الضحاك عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال :
أول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها ، وسفكوا فيها الدماء ؛ وقتل بعضهم بعضا ، قال : فبعث اللّه عليهم إبليس في جند من الملائكة ، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ، ثم خلق آدم فأسكنه إياها ، فلذلك قال :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
فعلى هذا القول المعنى : إني جاعل في الأرض خليفة من الجن يخلفونهم فيها ، فيسكنونها ويعمرونها . انتهى . ابن جرير .
وفي « المراح » روى الضحاك عن ابن عباس : أنه تعالى إنما « 4 » قال هذا القول ، للملائكة الذين كانوا في الأرض محاربين مع إبليس ، لأن اللّه تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها ، وسفكوا الدماء ، وقتل بعضهم بعضا ، بعث اللّه إبليس مع جند من الملائكة ، فقتلهم إبليس مع عسكره حتى أخرجوهم من الأرض ، وألحقوهم بجزائر البحر ، وهؤلاء خزّان الجنان ، أنزلهم اللّه تعالى من السماء إلى الأرض ؛ لطرد الجن إلى الجزائر والجبال ، وسكنوا الأرض ، فخفف اللّه عنهم العبادة ، وكان إبليس يعبد اللّه ، تارة في الأرض ، وتارة في السماء ، وتارة في الجنة ، فدخله العجب ، فقال في نفسه : ما أعطاني اللّه هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه ، فقال تعالى له ولجنده هذا الكلام .
قوله تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
الآيات ، مناسبتها لما قبلها :
هامش
( 1 ) ابن كثير .
( 2 ) شهيل .
( 3 ) ابن جرير .
( 4 ) المراح .