تكفرون باللّه ؟ وعلى أيّ شبهة تعتمدون ؟ وحالكم في موتتيكم وحياتيكم لا تدع لكم عذرا في الكفران به ، والاستهزاء بما ضربه من المثل ، وإنكار نبوة نبيه .
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
؛ أي : والحال أنكم كنتم قبل هذه النشأة في الحياة الدنيا أمواتا ، أجزاؤكم متفرّقة في الأرض بعض منها في الطبقات الجامدة ، وأخرى في الطبقات السائلة ، وقسم في الطبقات الغازية تشركون سائر أجزاء الحيوان والنبات في ذلك ، ثمّ خلقكم في أحسن تقويم ، وفضّلكم على غيركم بنعمة العقل ، والإدراك ، والفهم ، وتسخير جميع الكائنات الأرضية لكم .
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
حين انقضاء آجالكم بقبض الأرواح التي بها نظام حياتكم ، وحينئذ تنحلّ أبدانكم ، وتعود سيرتها الأولى ، وتنبثّ في طبقات الأرض ، وينعدم هذا الوجود الخاصّ الذي لها .
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
حياة أخرى أرقى من هذه الحياة ، وأكمل لمن زكّى نفسه ، وعمل صالحا ، ودونها لمن أفسد فطرته والتدبّر في سنن الكون ، وأنكر الإله والرسل ، وفسق عن أمر ربّه .
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
للحساب والجزاء على ما قدمتم من عمل ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ . انتهى .
وقرأ الجمهور « 1 » :
تُرْجَعُونَ
مبنيا للمفعول من رجع المتعدي . وقرأ مجاهد ، ويحيى بن يعمر ، وابن أبي إسحاق ، وابن محيصن ، والفيّاض بن غزوان ، وسلّام ، ويعقوب
تُرْجَعُونَ
مبنيا للفاعل ، حيث وقع في القرآن من رجع اللازم ؛ لأنّ ( رجع ) يكون لازما ومتعدّيا . وفي قوله :
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
من الترهيب والترغيب ما يزيد المسئ خشية ، ويردّه عن بعض ما يرتكبه ، ويزيد المحسن رغبة في الخبر ، ويدعوه رجاؤه إلى الازدياد من الإحسان .
وبعد أن عدّد سبحانه آياته في الأنفس بذكر المبدأ والمنتهى ، ذكر آياته في الآفاق الدالة على قدرته المحيطة بكلّ شيء ، وعلى نعمه المتظاهرة على عباده بجعل ما في الأرض مهيّأ لهم ومعدّا لمنافعهم . فقال :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ
هذا بيان نعمة أخرى ؛ أي : « 2 » قدّر خلقها لأجلكم ولانتفاعكم بها في دنياكم
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) روح البيان .