تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
يقول للكفّار : « 1 » وحّدوا ربّكم ، ويقول للعاصين : أطيعوا ربّكم ، ويقول للمنافقين : أخلصوا بالتوحيد معرفة ربّكم ، ويقول للمطيعين : اثبتوا على طاعة ربّكم . واللفظ يحتمل لهذه الأوجه كلّها ، وهو من جوامع الكلم ، كما في « تفسير أبي الليث » . والعبادة : استفراغ الطاقة في استكمال الطاعة ، واستشعار الخشية في استبعاد المعصية .
الَّذِي خَلَقَكُمْ
صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه : أطيعوا ربّكم الذي خلقكم ، لخلقكم ولم تكونوا شيئا . والخلق : اختراع الشيء على غير مثال سبق .
وَ
خلق
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
؛ أي : من أهل زمن قبل زمانكم من الأمم . ف
مِنْ
ابتدائية متعلّقة بمحذوف ، وفي الوصف به ، إيماء إلى سبب وجوب عبادته تعالى ، فإنّ خلق أصولهم من موجبات العبادة ، كخلق أنفسهم . وفيه دلالة على شمول القدرة ، وتنبيه من سنة الغفلة ؛ أي : أنّهم كانوا فمضوا ، وجاءوا وانقضوا ، فلا تنسوا مصيركم ، ولا تستجيزوا تقصيركم .
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
؛ أي : اعبدوه وحده ؛ لتجعلوا عبادته وقاية وسترا بينكم وبين عذابه ، هذا إن جرينا على أنّ ( لعلّ ) للتعليل . ويحتمل كونها على أصل معناها من الترجيّ ، فتكون جملتها حالا من فاعل
اعْبُدُوا
؛ أي : أفردوه بالعبادة حالة كونكم راجين أن تدخلوا ، وتنظّموا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح ، المستوجبين لجوار اللّه تعالى . و ( لعلّ ) للترجّي والإطماع ، وهي من اللّه تعالى واجب ؛ لأنّ الكريم لا يطمع إلّا فيما يفعل . والأولون والآخرون مخاطبون بالأمر بالتقوى . وخصّ المخاطبين بالذكر ؛ تغليبا لهم على الغائبين ، كما في « الكواشي » . وقرأ ابن السميفع « 2 » وخلق من قبلكم جعله من عطف الجمل . وقرأ زيد بن علي
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
بفتح ميم من قال الزمخشري : وهي قراءة مشكلة ، ووجهها على إشكالها بأن يقال : أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته ؛ تأكيدا ، كما أقحم جرير في قوله :
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) البحر المحيط .