تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
الإحساس عنهم ، وفي الثانية : نفي الفطنة ؛ لأنّ معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة ، وفي الآية الثالثة : نفي العلم ، وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيه لطيف ومعنى دقيق ، وذلك : أنّه بيّن في الأولى : أنّ في استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحسّ ، وفي الثانية : أنّهم لا يفطنون تنبيها على أنّ ذلك لازم لهم ؛ لأنّ من لا حسّ له لا فطنة له ، وفي الثالثة : أنّهم لا يعلمون تنبيها على أنّ ذلك أيضا لازم لهم ؛ لأنّ من لا فطنة له لا علم له ، فإنّ العلم تابع للعقل ، كما حكي : أنّ اللّه تعالى لمّا خلق آدم عليه السلام أتى إليه جبريل عليه السلام بثلاث تحف : العلم ، والحياء ، والعقل . فقال : يا آدم اختر من هذه الثلاث ما تريد ، فاختار العقل . فأشار جبريل إلى العلم والحياء بالرجوع إلى مقرّهما ، فقالا : إنّا كنا في عالم الأرواح مجتمعين ، فلا نرضى أن يفترق بعضنا عن بعض في الأشباح أيضا ، فنتبع العقل ، حيث كان ، فقال جبريل عليه السلام : استقرا ، فاستقر العقل في الدماغ ، والعلم في القلب ، والحياء في العين . فليسارع « 1 » العاقل إلى تحصيل العلم والمعرفة ، حتى يصل إلى توحيد الفعل والصفة . قال الإمام القشيري - رحمه اللّه تعالى - : للعقل نجوم ، وهي للشيطان رجوم ، وللعلوم أقمار هي للقلوب أنوار واستبصار ، وللمعارف شموس ، ولها على أسرار العارفين طلوع ، والعلم اللدنّي هو الذي ينفتح في بيت القلب من غير سبب مألوف من الخارج ، وللقلب بابان : باب إلى الخارج يأخذ العلم من الحواس ، وباب إلى الداخل يأخذ العلم بالإلهام . فمثل القلب ، كمثل الحوض الذي يجري فيه أنهار خمسة ، فلا يخلو ماؤه عن كدرة ما دام يحصل ماؤه من الأنهار الخمسة ، بخلاف ما إذا خرج ماؤه من قعره حيث يكون ماؤه أصفى وأجلى ، فكذا القلب إذا حصل له العلم من طريق الحواس الخمس الظاهرة لا يخلو من كدرة ، وشكّ ، وشبهة ، بخلاف ما إذا ظهر من صميم القلب بطريق الفيض الإلهيّ ، فإنّه أصفى وأولى . انتهى .
هامش
( 1 ) روح البيان .