الكفار ، وإغرائهم عليهم ، وغير ذلك .
وإسناد « 1 »
قِيلَ
إلى
لا تُفْسِدُوا
إسناد له إلى لفظه ، كأنّه قيل : وإذا قيل لهم : هذا اللفظ ، كقولك : ألّف ضرب من ثلاثة أحرف . والفساد : خروج الشيء عن حال استقامته ، وكونه منتفعا به ، وضدّه : الصلاح ، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة . وكلاهما يعمّان كلّ ضارّ ونافع ، والفساد في الأرض : تهييج الحروب والفتن المستتبعة ؛ لزوال الاستقامة عن أحوال العباد ، واختلال أمر المعاش والمعاد . والمراد بما نهوا عنه : ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار ، وإغرائهم عليهم ، وغير ذلك من فنون الشرور . فلمّا كان ذلك من صنيعهم مؤدّيا إلى الفساد . قيل :
لا تُفْسِدُوا
، كما يقال للرجل : لا تقتل نفسك بيدك ، ولا تلق نفسك في النار ، إذا أقدم على ما هذه عاقبته .
وكانت الأرض قبل البعثة يعلن فيها بالمعاصي ، فلمّا بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ارتفع الفساد ، وصلحت الأرض ، فإذا أعلنوا بالمعاصي ، فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، كما في « تفسير أبي الليث » .
قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
جواب لإذا ، وردّ للناصح على سبيل المبالغة ؛ أي : نحن مقصورون على الإصلاح المحض ؛ أي : ليس شأننا الإفساد أبدا ، بل نحن محصورون في الإصلاح ، لا نخرج عنه إلى غيره ، فهو من حصر المبتدأ في الخبر .
والمعنى « 2 » : أنّه لا يصح مخاطبتنا بذلك ، فإنّ شأننا ليس إلّا الإصلاح ، وإنّ حالنا متمحّضة عن شوائب الإفساد ، وإنّما قالوا ذلك ؛ لأنّهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح ، لما في قلوبهم من المرض ، كما قال تعالى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
. فأنكروا كون ذلك فسادا ، وادّعوا كونه إصلاحا محضا . وهو من قصر الموصوف على الصفة ، مثل : إنّما زيد منطلق .
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .