واعلم : أنّ المراد بالكذب في الحقيقة : الكذب في العبوديّة والقيام بحقوق الربوبيّة ، كما للمنافقين ومن يحذو حذوهم ، ولا يصح الاقتداء بأرباب الكذب مطلقا ، ولا يعتمد عليهم ، فإنّهم يجرّون إلى الهلاك ، والفراق عن مالك الأملاك .
وأمال حمزة « 1 »
فَزادَهُمُ
، ووافقه ابن ذكوان ، وأجمع القراء على فتح الراء في قوله :
مَرَضٌ
، إلّا ما رواه الأصمعيّ ، عن أبي عمرو : أنّه قرأ بإسكان الراء . وقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي يكذبون بالتخفيف . وقرأ الحرميان :
نافع ، وابن كثير ، والعربيان : أبو عمرو ، وابن عامر بالتشديد .
وقد سئل « 2 » القرطبيّ وغيره من المفسرين ، عن حكمة كفّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ؟ فذكروا أجوبة عن ذلك .
منها : ما ثبت في « الصحيحين » : أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعمر - رضي اللّه عنه - : « أكره أن يتحدّث العرب أنّ محمدا يقتل أصحابه » .
ومنها : ما قال مالك : ( إنّما كفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المنافقين ؛ ليبيّن لأمّته أنّ الحاكم لا يحكم بعلمه ) .
ومنها : ما قاله بعضهم : أنّه إنما لم يقتلهم ؛ لأنّه كان لا يخاف من شرّهم مع وجوده صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرهم ، يتلو عليهم آيات اللّه بينات . فأمّا بعده : فيقتلون إذا أظهروا النفاق ، وعلمه المسلمون . انتهى .
ثمّ « 3 » شرع في بيان قبائحهم وأحوالهم الشنيعة ، وفي الحقيقة : هو تفصيل للمخادعة الحاصلة منهم ، فقال :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
؛ أي : وإذا قال المسلمون لهؤلاء المنافقين :
لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
؛ أي : لا تسعوا في الأرض بالإفساد بالكفر ، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإفشاء أسرار المؤمنين إلى
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) ابن كثير .
( 3 ) العمدة .