وعبارة المراغي هنا : وقد وجد « 1 » هذا المرض عند هؤلاء المنافقين حين كانوا في فترة من الرسل ، فلم يكن لهم حظّ من قراءة كتب الدين إلّا تلاوتها ، ولا من أعماله إلّا إقامة صورها ، من غير أن تنفذ أسرارها إلى قلوبهم ، فتهذب النفوس ، وتسمو بها إلى فضائل الأخلاق ، والتفقّه في الدين .
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
بعد أن جاء النذير البشير ، ومعه البرهان القاطع ، والنور الساطع وأبوا أن يتبعوه ، وزاد تمسّكهم بما كانوا عليه ، فكان ذلك النور عمى في أعينهم ومرضا في قلوبهم ، وتحرّقت قلوبهم حسرة على ما فاتهم من الرئاسة ، وحسدا على ما يرونه من ثبات أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعلوّ شأنه يوما بيوم .
انتهى .
وَلَهُمْ
؛ أي : ولهؤلاء المنافقين في الآخرة
عَذابٌ أَلِيمٌ
يصل ألمه إلى القلوب ، وهو بمعنى : المؤلم بفتح اللام على أنّه اسم مفعول من الإيلام . يقال :
ألم يألم فهو أليم بمعنى : مؤلم ، كسميع بمعنى : مسمع . وصف به للمبالغة ، وهو في الحقيقة صفة المعذّب بفتح الذال المعجمة ، كما أنّ الجدّ للجادّ في قولهم :
جدّ جدّه . وجه المبالغة : إفادة أنّ الألم بلغ الغاية حتى سرى من المعذّب بفتح الذال إلى العذاب المتعلّق به .
أي : ولهم عذاب موجع
بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
بالتخفيف « 2 » ؛ أي : بسبب كذبهم في قولهم :
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ
، وقرئ بالتشديد ؛ أي : بسبب تكذيبهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به في السرّ . والكذب : هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه ، كقولك : الجهل نافع والعلم ضارّ ، وهو قبيح كلّه .
و ( الباء ) « 3 » فيه للسببية ، أو للمقابلة ، و
ما
مصدرية ، داخلة في الحقيقة على
يَكْذِبُونَ
وكلمة
كانُوا
مقحمة ؛ لإفادة دوام كذبهم وتجدده ؛ أي : بسبب
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) العمدة .
( 3 ) روح البيان .