كالنكال وزنا ومعنى ، وهو إيصال الآلام إلى الحيوان على وجه الهوان ، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب . يقال : أعذب عن الشيء ، إذا أمسك عنه ، وسمّي العذاب عذابا ، لأنّه يمنع عن الجناية إذا تأمّل العاقل فيها ، ومنه الماء العذب ، لما أنّه يقمع العطش ، أي : يكسره ويردعه بخلاف الملح فإنّه يزيده . وقيل : إنمّا سمّي به ؛ لأنّه جزاء ما استعذبه المرء بطبعه ؛ أي : استطابه ، ولذلك قال تعالى :
فَذُوقُوا عَذابِي *
، وإنما يذاق الطيب على معنى : أنّه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه في الدنيا . والعظيم « 1 » : نقيض الحقير ، والكبير : نقيض الصغير ، فكان العظيم فوق الكبير ، كما أنّ الحقير دون الصغير . قال في « التيسير » :
عَظِيمٌ
أي : كبير ، أو كثير ، أو دائم ، وهو التعذيب بالنار أبدا ، ثمّ عظمه بأهواله ، وبشدة أحواله ، وكثرة سلاسله وأغلاله . فتكون هذه الآية وعيدا وبيانا لما يستحقّونه في الآخرة . وقيل : هو القتل والأسر في الدنيا ، والتحريق بالنار في العقبى .
ومعنى التوصيف بالعظيم : أنّه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه ، ومعنى التنكير : أنّ لهم من الآلام نوعا عظيما لا يعلم كنهه إلّا اللّه سبحانه وتعالى ، فعلى العاقل أنّ يجتنب عمّا يؤدّي إلى العذاب الأليم ، والعقاب العظيم ، وهو الإصرار على الذنوب ، والإكباب على اقتراف الخطيئات والعيوب . وأمّهات الخطايا ثلاث : الحرص ، والحسد ، والكبر . فحصل من هؤلاء ستّ خصال ، فصارت جملتها تسعا : الشبع ، والنوم ، والراحة ، وحبّ المال ، وحبّ الجاه ، وحبّ الرئاسة . فحبّ المال والرئاسة من أعظم ما يجرّ صاحبه إلى الكفر والهلاك .
وظاهر قوله تعالى « 2 » :
خَتَمَ اللَّهُ
أنّه إخبار من اللّه تعالى بختمه ، وحمله بعضهم على أنّه دعاء عليهم ، وكنى بالختم على القلوب عن كونها لا تقبل شيئا من الحقّ ولا تعيه ؛ لإعراضها عنه ، فاستعار الشيء المحسوس للشيء المعقول ،
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) البحر المحيط .