والآخر كانت أكثر من ذلك ، فقصر على أربعة أشهر ، ليرتاد لنفسه وهو حرب بعد ذلك للّه ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد . وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر .
فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم : وذلك خمسون يوما :
عشرون من ذي الحجة وشهر محرم .
وقال الكلبي : إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عهد دون أربعة أشهر ، ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر اللّه أن يتم له عهده ، بقوله تعالى :
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
.
ورجح هذا ابن جرير وغيره إلى قوله :
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً
أي لم يقع منهم أي نقص ، وإن كان يسيرا ، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ؛ ومنهم من ثبت عليه ، فأذن اللّه سبحانه لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بنقض عهد من نقض ، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته « 1 » .
وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ
المظاهرة : المعاونة ، أي لم يعاونوا أحدا من أعدائكم .
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ
: أي أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص إلى مدتهم التي عاهدتموهم إليها ، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر ، ولا تعاملوهم معاملة الناكثين من القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقا ، وهي أربعة أشهر ، أو خمسون يوما على الخلاف السابق « 2 » .
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 )
.
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
: انسلاخ الشهر تكامله جزءا فجزءا إلى أن ينقضي ، كانسلاخ الجلد عما يحويه ، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه .
وقد اختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هنا ؟ فقيل : هي الأشهر الحرم المعروفة ، التي هي : ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ، ثلاثة سرد ، وواحد فرد « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : الطبري ( 10 / 50 ) ، زاد المسير ( 3 / 397 ) ، القرطبي ( 8 / 71 ) .
( 2 ) انظر : معاني الأخفش ( 2 / 326 ) ، الزجاج ( 2 / 476 ) ، التبيان ( 2 / 11 ) ، زاد المسير ( 3 / 398 ) .
( 3 ) دلّ على ذلك ما رواه البخاري ( 6 / 293 ) ، ومسلم ( 11 / 167 ، 170 ) ، عن أبي بكرة مرفوعا