تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 679

مساهمون:

ص٦٧٩
الصَّمَدُ
» فقالوا : وما الصمد ؟ فقال : « الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج » . فقالوا : زدنا ، فنزل
لَمْ يَلِدْ
كما ولدت مريم
وَلَمْ يُولَدْ
كما ولد عيسى
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
أي ليس له نظير من خلقه . وقال الضحاك وقتادة ومقاتل : جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك ، فإن اللّه تعالى أنزل صفته في التوراة ، فأخبرنا من أيّ شيء هو ؟ وهل يأكل ويشرب ؟ ومن ورث ؟ ومن يرثه ؟ فنزلت هذه السورة وصفات اللّه تعالى إما أن تكون إضافية ، وإما أن تكون سلبية . أما الإضافية : فكقولنا : عالم قادر مريد خلاق . وأما السلبية : فكقولنا : ليس بجسم ولا بجوهر ، ولا بعرض ، وقولنا : اللّه يدل على مجامع الصفات الإضافية وقولنا : أحد يدل على مجامع الصفات السلبية ، وذلك لأن اللّه تعالى هو الذي يستحق العبادة ، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يستبد بالإيجاد فالاستبداد بالإيجاد ، لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة ، والإرادة النافذة ، والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، والمراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التراكيب .
اللَّهُ الصَّمَدُ
( 2 ) أي السيد المصمود إليه في الحوائج . وقال ابن مسعود والضحاك : الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده . وقيل : الصمد هو الذي ليس فوقه أحد فلا يخاف من فوقه ، ولا يرجو من تحته ، ترفع الحوائج إليه . وقال قتادة : الصمد الباقي بعد فناء خلقه ، والذي لا يأكل ولا يشرب ، وهو يطعم ولا يطعم . وقال أبيّ بن كعب : هو الذي لا يموت ولا يورث ، وله ميراث السماوات والأرض . وقال ابن كيسان : هو الذي لا يوصف بصفة أحد . قال مقاتل بن حبان : هو الذي لا عيب فيه
لَمْ يَلِدْ
أي لم يصدر عنه ولد لأنه لم يجانسه شيء ،
وَلَمْ يُولَدْ
( 3 ) أي لم يصدر عن شيء لاستحالة نسبة العدم إليه تعالى سابقا ولاحقا . ويقال : لم يلد ، أي ليس له ولد فيرث ملكه ، ولم يولد أي ليس له والد فيرث عنه الملك ، فلم يرث ولم يورث ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) أي لم يشاكله أحد من صاحبة وغيرها ، فيمتنع أن يكون شيء من الموجودات مساويا له تعالى في شيء من صفات الجلال والعظمة ، ثم الآية الأولى : تبطل مذهب الثنوية القائلين : بالنور والظلمة ، والنصارى : في التثليث . والصائبين : في الأفلاك والنجوم . والآية الثانية : تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى اللّه ، لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات .
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 679 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي