تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
ظنوا أنهم قد أخطئوا الطريق فقالوا : إنا لضالون طريق بستاننا ، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا : لسنا ضالين بل نحن محرومون منفعة جنتنا بشؤم عزمنا على البخل ، ومنع الفقراء ، ويحتمل أنهم لما رأوا جنتهم محترقة قالوا : إنا لضالون في الاعتقاد حيث كنا نعتقد كوننا قادرين على الانتفاع بها ، وحيث كنا عازمين على منع الفقراء بل الأمر انقلب علينا فصرنا محرومين ،
قالَ أَوْسَطُهُمْ
أي أفضلهم :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
( 28 ) أي هلا تذكرون اللّه تعالى وتتوبون إليه من خبث نيتكم حيث عزمتم على منع الزكاة ؟
قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا
عن أن يجري في ملكه ما لا يشاؤه ،
إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
( 29 ) بالإقسام على جذ الجنة في الصباح ومنع المساكين وترك الاستثناء .
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ
( 30 ) أي يلوم بعضهم بعضا يقول واحد منهم : أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر : أنت الذي خوفتنا بالفقر ويقول الثالث : أنت الذي رغبتني في جمع المال .
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ
( 31 ) أي يا هلاكنا هذا وقت منادمتك لنا إنا كنا متجاوزين حد اللّه بمنعنا المساكين ،
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها
أي أن يعطينا خيرا من جنتنا بدلا منها ببركة التوبة والاعتراف بالذنوب . وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال
إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ
( 32 ) أي طالبون منه الخير ، راجون عفوه وروي أنهم قالوا : إن أبدلنا اللّه خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا ، فتضرعوا إلى اللّه تعالى بالدعاء ، فأبدلهم اللّه تعالى من ليلتهم ما هو خير منها ، فإن اللّه أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة المحترقة ، فيجعلها بزعر من أرض الشام ، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : إن القوم أخلصوا ، وعرف اللّه منهم الصدق ، فأبدلهم اللّه جنة يقال لها : الحيوان ، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا واحدا كم كبره . وقال أبو خالد اليماني : دخلت تلك الجنة ، فرأيت فيها كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم ،
كَذلِكَ الْعَذابُ
أي مثل الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة في صروان عذاب الدنيا لمن منع حق اللّه من ماله ،
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ
لمن لا يتوب
أَكْبَرُ
من عذاب اللّه في الدنيا ،
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 33 ) أنه أكبر لاحترزوا عما يؤديهم إليه ،
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي في الآخرة
جَنَّاتِ النَّعِيمِ
( 34 ) ، أي جنات ليس لهم فيها إلا التنعم الخالص ، لا يشويه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا . قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين : إن اللّه تعالى فضلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة ، فإن لم يحصل التفضيل فأقصى أمركم أن تساوونا فأجاب اللّه عن هذا الكلام بقوله :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
( 35 ) أي أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين أي مساوين لهم في العطاء ،
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
( 36 ) أي أيّ شيء يحصل لكم يا أهل مكة ، وأيّ حال يدعوكم إلى هذا الحكم هل هو صادر عن اختلال فكر أو اعوجاج