تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
النبرات التي خلقها في السماوات وخصّ كل واحد بضوء معين ، وطبيعة معينة ، وسر معين ، لا يعلمها إلّا اللّه تعالى -
وَحِفْظاً
أي وحفظناها من الشياطين الذين يسترقون السمع . وقيل : إن « حفظا » مفعول له على المعنى كأنه قيل : وخلقنا المصابيح زينة وحفظا ، فبعض النجوم زينة السماء لا يتحرك وبعضها يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، وبعضها رجوم للشياطين .
ذلِكَ
أي هذه التفاصيل
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
( 12 ) لأنها لا تمكن إلّا بقدرة كاملة وعلم محيط ،
فَإِنْ أَعْرَضُوا
عن قبول هذه الحجة القاهرة وأصروا على التقليد ،
فَقُلْ
لهم :
أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً
أي خوفتكم عذابا هائلا ، كأنه نار معها رعد شديد
مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
( 13 ) . وقرأ ابن الزبير ، والنخعي ، والسلمي ، وابن محيصن : « صعقة » مثل صعقة عاد وثمود ، وهي المرة من صيحة العذاب . روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والسحر والكهانة فكلمه ، ثم أتانا ببيان عن أمره ، فقال عتبة بن ربيعة : واللّه لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة ، وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي ، فأتاه ، فقال : يا محمد أنت خيرا أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم عبد اللّه ؟ فلم تشتم آلهتنا وتضللنا ، فإن كنت تريد الرئاسة عقدنا اللواء ، فكنت رئيسنا وإن كنت أردت الباه زوجناك عشر نسوة تختارهن من أي بنات قريش شئت ، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به ، ورسول اللّه ساكت ، فلما فرغ عتبة قال صلّى اللّه عليه وسلّم : «
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إلى قوله تعالى :
صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
» فأمسك عتبة على فيه صلّى اللّه عليه وسلّم وناشده بالرحم ورجع إلى أهله ، ولم يخرج إلى قريش ، فلما احتبس عنهم قالوا : لا نرى عتبة إلّا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا : يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت ، فغضب عتبة ، وأقسم لا يكلم محمدا أبدا وقال : واللّه لقد كلمته فأجابني بشيء واللّه ما هو بشعر ولا سحر ، ولا كهانة ، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم ، ولقد علمت أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل بكم العذاب ، وإنما خص هاتين القبيلتين ، لأن قريشا كانوا يمرون على بلادهم ،
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ
حال من صاعقة عاد ، أو ظرف منها منصوب بها ، لأنها بمعنى عذاب ، فالمعنى صعقة عاد وثمود وقت مجيء رسلهم إليهم
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
أي أتوهم من جميع جوانبهم ، وأتوهم بجميع وجوه الحيل ، فلم يروا منهم إلّا الأعراض ، أي جاءتهم الرسل من قبلهم ، ومن بعدهم ، أي جاءهم هود وصالح داعيين لهم إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ، فكأن جميع الرسل قد جاءوهم وخاطبوهم بقوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
ف « أن » مفسرة بمعنى أي ، أو مخففة من الثقيلة ، أي بأنه لا تعبدوا أي بأن الحديث قولهم لهم لا تعبدوا إلّا اللّه ، « أو » مصدرية ، والجملة بعدها صلتها وصلت بالنهي ، كما توصل بالأمر ، أي جاءوهم بكونهم نهوهم
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 360 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي