تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
إلى أمرين : العلم والعمل . فالعلم رئيسه معرفة أن اللّه واحد ، وهو المراد من قوله تعالى :
أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
وإذا كان الحق ذلك التوحيد وجب علينا أن نعترف به . وهو المراد من قوله تعالى :
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
أي استقيموا في أفعالكم متوجهين إلى الإله الواحد ، ثم أمر اللّه تعالى بوظيفة العمل ورئيسه الاستغفار ، فلهذا السبب قال :
وَاسْتَغْفِرُوهُ
لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل المأتي به ،
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
( 7 ) فاللّه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفا بصفات ثلاثة : الشرك ، والامتناع من الزكاة ، وإنكار القيامة . فإن أعظم الطاعات التعظيم لأمر اللّه ، وأفضل أبوابه الإقرار بكون اللّه واحدا ، وإذا كان التوحيد أعظم الطاعات كان الشرك أخسها ، لأنه ضد التوحيد ، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال ، لأنه ضد الشفقة على خلق اللّه . ونقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه فسر لا يؤتون الزكاة بقوله : أي لا يقولون لا إله إلّا اللّه فإنها زكاة الأنفس . والمعنى : لا يطهرون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم : لا إله إلا اللّه . وقال الحسن وقتادة : أي لا يعتقدون إعطاء الزكاة واجبا . وقال مجاهد : لا يزكون أعمالهم
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 8 ) أي غير مقطوع . قيل : نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملونه . ويقال يكتب ثواب أعمالهم بعد الهرم أو الموت إلى يوم القيامة غير منقوض . وقيل : لا يمنون بذلك الأجر .
قُلْ
يا أشرف الخلق :
أَ إِنَّكُمْ
يا أهل مكة
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
أي لتكفرون بالعظيم الشأن الذي حكم بأن الأرض ستوجد في مقدار يومين ،
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً
. أي نظراء والحال أنه لا يمكن له نظير واحد ، أي أن الإله الموصوف بالقدرة على خلق هذه الأشياء العظيمة في هذه المدة الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكا له في المعبودية !
ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 9 ) أي ذلك العظيم الشأن الذي علمت من صفته أنه خالق جميع الموجودات فكيف أثبتم له أنداد من الخشب والحجر ؟ !
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ
وهو عطف على « خلق الأرض » ، أي وخلق في الأرض جبالا ثوابت
مِنْ فَوْقِها
، أي كائنة من فوق الأرض ليرى الإنسان بعينه وليتفكر أن الجبال أثقال ، على أثقال وكلها مفتقرة إلى ممسك ، وحافظ ، وما ذاك الحافظ المدبر إلّا اللّه تعالى ، ولو جعل في الأرض رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول ،
وَبارَكَ فِيها
أي الأرض بشق الأنهار ، وخلق الأشجار والثمار ، وأصناف الحيوانات ، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات ،
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
أي بأن يوجد لأهل الأرض من الأنواع المختلفة أقواتها المناسبة لها على مقدار معين تقتضيه الحكمة . وقرئ « وقسم فيها أقواتها » .
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
أي مع اليومين الأولين الذين خلق فيهما الأرض
سَواءً لِلسَّائِلِينَ
( 10 ) .
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 358 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي