تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
واعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الطرق ، لأنه زجرهم عن الباطل : أولا : بقوله :
إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ
، وهو إزالة الشبهات - لأنه لا بدّ قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق - ثم دعاهم إلى معرفة اللّه تعالى . ثانيا : بقوله :
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ
، لأنها الأصل ، وإنما خصّ هذا الموضع باسم الرحمن ، لأنه عليه السلام كان ينبئهم ، بأنهم متى تابوا قبل اللّه توبتهم ، لأنه هو الرحمن كما خلصهم من آفات فرعون برحمته ، ثم دعاهم . ثالثا : إلى معرفة النبوة بقوله : فاتبعوني ، ثم دعاهم . رابعا : إلى الشريعة بقوله :
وَأَطِيعُوا أَمْرِي
، ثم إنهم لجهلهم وتقليدهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال ، بقولهم
لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
فجحدوا قول هارون كما هو عادة المقلّد . فكأنهم قالوا : لا نقبل حجّتك ، ولكن نقبل موسى . روي أنهم لما قالوا ذلك : اعتزلهم هارون عليه السلام ، في اثني عشر ألفا ، وهم الذين لم يعبدوا العجل .
قالَ
موسى :
يا هارُونُ
حين سمع جوابهم له وهو مغتاظ :
ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا
( 92 ) بعبادة العجل ،
أَلَّا تَتَّبِعَنِ
في حالي الغضب للّه تعالى ، والمقاتلة مع من كفر به ، أي أيّ شيء دعاك إلى أن لا تتبعني في سيرتي من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها ، فلم تركت قتالهم وتأديبهم ، وتركت وصيتي ، وأنت نبي اللّه ، وأخي ، ووزيري ، وخليفتي في قومي ؟ وأثبت الياء بعد النون ابن كثير ، وقفا ووصلا ، وأثبتها نافع وأبو عمرو ، وصلا لا وقفا ، وحذفها الباقون وصلا ووقفا
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( 93 ) ، أي ألم تتبعني وعصيت أمري ؟ وأمره عليه السلام هو ما حكاه اللّه تعالى عنه في قوله تعالى :
وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
فلما أقام هارون معهم ولم يبالغ في منعهم ، نسبه إلى مخالفة أمره .
قالَ
هارون لموسى :
يَا بْنَ أُمَّ
ذكر هارون أمه ، مع أن موسى أخوه الشقيق ، ترقيقا لقلبه . قرأ حمزة والكسائي بكسر الميم
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
، أي ولا بشعر رأسي . روي أن موسى عليه السلام أخذ شعر رأس هارون بيمينه ولحيته بشماله من فرط غضبه للّه .
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
، برأيك بسبب القتال تفريقا لا يرجى بعده الاجتماع .
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
( 94 ) ، أي ولم تنتظر قدومي ، فمن ذلك تركت القتال معهم . وإني رأيت أن الإصلاح ، في المداراة معهم إلى أن ترجع إليهم لتكون أنت المتدارك للأمر حسبما رأيت ،
قالَ
موسى عليه السلام للسامري موبخا له بعد سماع الاعتذارين :
فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ
( 95 ) أي فيما شأنك الداعي إلى ما صنعت ، وما مطلوبك مما فعلت من عبادة العجل ؟
قالَ
أي السامري مجيبا له عليه السلام :
بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
، بضم الصاد فيهما . وقرأ حمزة والكسائي ، بالتاء على خطاب موسى وقومه ، أي رأيت ما لم يره بنو إسرائيل ، قال له