تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
عليه المصائب .
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
أي اللّه يقبض الأرواح من الأبدان حين موت أجسادها بخلق الموت ، وإزالة الحس بالكلية ، ويقبض الأرواح التي لم تمت حين تنام بإزالة الإدراك وخلق الغفلة في محل الإدراك ، فتتعارف ما شاء اللّه أن تتعارف
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
فلا يردها إلى البدن . وقرأ حمزة والكسائي « قضى » على البناء للمفعول ورفع الموت ،
وَيُرْسِلُ الْأُخْرى
أي يزيل الحابس عن النائمة ، فتعود عند التيقظ كما كانت
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
وهو وقت النفخة الثانية في الممسوكة ، ووقت الموت في المرسلة ، فالجار والمجرور متعلق بكل من « يمسك » و « يرسل » . قال ابن عباس وغيره من المفسرين : إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء اللّه ، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك اللّه أرواح الأموات عنده ، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها . وقال علي رضي اللّه عنه : فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة ، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها فهي الرؤيا الكاذبة ، لأنها من إلقاء الشيطان .
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي التوفي على الوجهين والإمساك في أحدهما والإرسال في الآخر
لَآياتٍ
عجيبة دالة على كمال قدرته تعالى وحكمته وشمول رحمته ،
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 42 ) في كيفية تعلق الأرواح بالأبدان ، وقبضها عنها تارة بالكلية كما عند الموت ، وحبسها عن التصرف تارة أخرى كما عند النوم ، وإزالة حبسها عنه حينا بعد حين إلى انقضاء آجالها ،
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ
أي إن الكفار قالوا : نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند اللّه من المقربين ، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند اللّه تعالى ، فأجاب اللّه تعالى بقوله :
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ
تشفع لهم عنده تعالى
قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ
( 43 ) أي قل لهم أيشفعون في حال كونهم لا يملكون شيئا من الأشياء ، وفي حال كونهم لا يعقلونه ؟
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً
أي أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في تلك الشفاعة من هذه الأصنام ، أو من أولئك العلماء الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لهم ، فهذه الأصنام لا تملك شيئا ولا تعقله ، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها ولا يملك أحد من العلماء وغيرهم شيئا ؟ ولا يقدر أحد على الشفاعة إلّا بإذن اللّه ؟ ! فيكون الشفيع في الحقيقة هو اللّه لأنه الذي يأذن في الشفاعة ، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره .
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي له ملكها ، وما فيهما من المخلوقات ، لا يملك أحد أن يتكلم في أمر من أموره بدون إذنه تعالى ورضاه ،
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 44 ) يوم القيامة فيفعل يومئذ ما يريد
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 334 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي