تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
قال ابن عباس : بنوا حائطا من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا ، وملئوه نارا ، فطرحوا سيدنا إبراهيم فيها
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
أي شرا حرقا بالنار ،
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ
( 98 ) أي الأذلين بإبطال كيدهم بجعل النار عليه بردا وسلاما ، أي أن إبراهيم عليه السلام في وقت المحاجة حصلت الغلبة له وعندما ألقوه في النار صرف اللّه عنه ضرر النار فصار هو الغالب عليهم .
وَقالَ
إبراهيم لما انقضت هذه الواقعة :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
أي إلى مواضع دين ربي وهي أرض الشام . فالمراد بالذهاب إلى الرب هو الهجرة من الديار ،
سَيَهْدِينِ
( 99 ) إلى ما فيه صلاح ديني ، فلما هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
( 100 ) أي ولدا من المرسلين ، فاستجبنا له ،
فَبَشَّرْناهُ
على لسان الملائكة
بِغُلامٍ
، أي بولد ذكر
حَلِيمٍ
( 101 ) ، أي ذي حلم كثير وهو إسماعيل عليه السلام
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
أي فوهبنا له فنشأ ، فلما بلغ رتبة أن يسعى معه في أشغاله وحوائجه .
قالَ
إبراهيم لإسماعيل عليهما السلام
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
أي إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك في اليقظة . روي أن إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه كأن قائلا يقول له : إن اللّه يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح ، أمن اللّه هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثمّ سمي يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من اللّه ، فسمي يوم عرفة ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر .
فَانْظُرْ ما ذا تَرى
بفتح التاء والراء أي أيّ شيء تشير إلي برأيك . وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء ، أي أيّ الذي ترى من نفسك الصبر والتسليم . وقرئ مبنيا للمفعول أي ما تظن ذلك الرؤيا .
قالَ
أي ذلك الغلام :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
أي ما أمرت به ،
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
( 102 ) على قضاء اللّه وعلى الذبح
فَلَمَّا أَسْلَما
أي انقادا لأمر اللّه تعالى واتفقا . وقال قتادة : أسلم إبراهيم ابنه وإسماعيل نفسه
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
( 103 ) أي أضجعه على جنبه ، وجواب « لما » محذوف ، أي نادته الملائكة من الجبل : يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا . حكي أن إبراهيم لما أراد ذبحه قال : يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب ، فلما توسطا شعب ثبير أخبره بما أمر به فقال : يا أبت اشدد رباطي في كي لا أضطرب ، واكفف عني ثيابك كي لا ينضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن ، واستحد شفرتك ، وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون علي ، فإن الموت شديد ، واقرأ على أمي سلامي . وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها . فقال إبراهيم عليه السلام : نعم العون أنت يا بني على أمر اللّه ، ثم أقبل عليه يقلبه وقد ربطه ، وهما يبكيان ، ثم وضع السكين على حلقه ، فلم تؤثر شيئا فقال الابن : كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة