تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
فذهب إلى بعض أطراف الجنة
فَاطَّلَعَ
عندها إلى النار
فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
( 55 ) أي فرأى ذلك الرجل قرينه في وسط النار .
قالَ
له موبخا :
تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ
( 56 ) أي إنه ، أي الشأن قاربت لتهلكني بدعائك إياي إلى إنكار البعث والقيامة . وقرئ « لتغوين » ، أي لتضلني عن الدين ،
وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي
بالإرشاد إلى الحق والعصمة عن الباطل
لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
( 57 ) في النار مثلك ، ثم عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة فقال :
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
( 58 ) أي أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين
إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى
التي كانت في الدنيا ،
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
( 59 ) . وهذا استفهام تلذذ فهو من سؤال بعضهم لبعض ، لأن الذي تتكامل سعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول : أيدوم هذا لي أيبقى هذا لي ، وإن كان على يقين من دوامه ، ثم عند فراغهم من هذه المباحثات يقولون :
إِنَّ هذا
أي الذي نحن فيه
لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( 60 ) . والوقف هنا تام . وقيل : هو من قول اللّه تعالى تصديقا لقولهم . وقرئ « إن هذا » أي الذي ذكر لأهل الجنة لهو الرزق العظيم . قال اللّه تعالى ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات :
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
( 61 ) أي لطلب مثل هذه السعادات المحكية يجب أن يعمل العاملون فليجتهد المجتهدون بالعلم والعبادة .
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
( 62 ) أي أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور خير حاصلا أم شجرة الزقوم التي حاصلها الألم والغم ، أمر اللّه ورسوله أن يورد ذلك على كفار قومه ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر والمعنى أن الرزق المعلوم ضيافة أهل الجنة ، وأهل النار ضيافتهم شجرة الزقوم فأيهما خير في كونه ضيافة . وهذا الكلام جيء به على سبيل السخرية بهم ، لأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الخيرية .
إِنَّا جَعَلْناها
أي شجرة الزقوم
فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ
( 63 ) أي شبهة في قلوبهم حتى صارت سببا لتماديهم في الكفر ، فإنهم لما سمعوا أن شجرة الزقوم في النار قالوا : كيف يعقل أن تنبت الشجرة في النار مع أنها تحرق الشجر ولم يعلموا أن خالق النار قادر على أن يمنع النار من إحراق الشجر ، لأنه إذا جاز أن يكون في النار زبانية واللّه يمنع النار عن إحراقهم فلم لا يجوز مثل ذلك في هذه الشجرة ؟
إِنَّها
أي الزقوم
شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ
( 64 ) أي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها . وقرئ « نابتة في أصل الجحيم » .
طَلْعُها
أي ثمرها
كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
( 65 ) في القبح والهول ، وهو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك في قوله تعالى حكاية لقول النساء :
إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
وذلك أن الناس اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة ، واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح في الصورة والسيرة ، فكما حسن التشبيه بالملك عند إرادة تقرير الكمال ، حسن التشبيه برءوس الشياطين في قبح النظر كأنه قيل : إن أقبح الأشياء في الخيال هو رؤوس الشياطين . وقيل : إن الشياطين حيات هائلة لها رؤوس وأعراف ، وهي من
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 302 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي