تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الأكل ، والشرب ، والجماع .
قالَ
أي فرعون لموسى :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
( 51 ) ، أي ما حال الأمم الماضية ، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة ، أي فلما ذكر موسى عليه السلام برهانا نيرا على هذا المطلوب ، خاف فرعون أن يزيد موسى في تصوير تلك الحجة ، فيظهر للناس صدقه عليه السلام ، وحقيقة مقالاته ، وتبين عندهم بطلان خرافات نفسه . فأراد فرعون أن يصرف موسى عليه السلام عن ذلك الكلام الذي يتعلق بالرسالة ، إلى الحكايات . فعسى يظهر منه نوع غفلة ، فيرتقي فرعون إلى أن يدعي قدام قومه نوع معرفة . فقال : ما حال القرون الحالية
قالَ
موسى :
عِلْمُها
أي علم حالهم
عِنْدَ رَبِّي
، فلا يعلمها إلا اللّه ، وإنما أنا عبد لا أعلم منها إلا ما علمنيه .
فِي كِتابٍ
، أي ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ ، يكون المكتوب فيه يظهر للملائكة ، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم لكل المعلومات ، منزّه عن السهو ، والغفلة ، أو المعنى . إن بقاء المعلومات في علمه تعالى كبقاء المكتوب في الكتاب ، فلا يزول شيء منها عن علمه تعالى .
لا يَضِلُّ رَبِّي
، أي لا يخطئ عن معرفة الأشياء ، ولا يخفى شيء عن علمه ،
وَلا يَنْسى
( 52 ) شيئا علمه .
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
أي فراشا . وقرأ عاصم وحمزة بفتح الميم وسكون الهاء . والباقون بكسر الميم وفتح الهاء مع الألف .
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
، أي جعل لكم في الأرض طرقا تذهبون وتجيئون فيها .
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
، هذا تمام كلام موسى عليه السلام ، ثم بعد ذلك أخبر اللّه تعالى عن صفة نفسه ، تتميما لكلام موسى لخطاب أهل مكة فقال :
فَأَخْرَجْنا بِهِ
أي بذلك الماء ،
أَزْواجاً
، أي أصنافا ،
مِنْ نَباتٍ شَتَّى
( 53 ) ، أي مختلفة في الطعم والرائحة والشكل والنفع ، بعضها صالح للناس ، وبعضها للبهائم ، على اختلاف وجوه الصلاح . وقيل : هذا من تمام كلام موسى عليه السلام ، كأنه يقول : ربي الذي جعل لكم كذا وكذا ، فأخرجنا نحن معشر عباده بذلك الماء بالحراثة ، أزواجا من نبات شتى . وقال صاحب الكشاف : إن كلام موسى عليه السلام تم عند قوله :
وَلا يَنْسى
ثم ابتدأ كلام اللّه ، من قوله
الَّذِي جَعَلَ
فهو خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير هو الذي جعل ، ويكون الانتقال من الغيبة إلى التكلم ، التفاتا للدلالة على كمال القدرة والحكمة . وللإعلام بأن ذلك لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن .
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
، حال من ضمير ، أخرجنا على إرادة القول ، أي فأخرجنا أصناف النبات قائلين لكم : كلوا وارعوا أنعامكم ، أي مبيحين لكم الأكل وعلف الأنعام ، آذنين في الانتفاع بها .
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي في اختلاف النبات في الشكل والطبع ،
لَآياتٍ
واضحة الدلالة على شؤون اللّه تعالى ، في ذاته ، وصفاته ، وأفعاله ،
لِأُولِي النُّهى
( 54 ) أي لذوي العقول الناهية عن الأباطيل .
مِنْها
أي الأرض ،
خَلَقْناكُمْ
وذلك إذا وقعت النطفة ، فيخلق اللّه الولد من النطفة ، ومن التراب . وأيضا أن تولّد الإنسان إنما هو من النطفة ، ودم الطمث ، وهما يتولّدان من الأغذية ، وهي تنتهي إلى
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 28 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي