تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
ذلك أمور حادثة مفتقرة إلى محدث قادر عليم حكيم
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
( 28 ) أي إن كان لكم عقل ، علمتم أن لا جواب فوق ذلك وأن الأمر كما قلته .
قالَ
فرعون لموسى عليه السلام لما عجز عن الحجج :
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
( 29 ) أي لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من عادة اللعين أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فردا لا يبصر فيها ولا يسمع حتى يموت ، فكان ذلك أشد من القتل ولذلك لم يقل تعالى : لأسجننك ، لأنه لا يفيد إلا صيرورته مسجونا . وروي أن اللعين يفزع من موسى فزعا شديدا حتى كان لا يمسك بوله .
قالَ
موسى له :
أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
( 30 ) أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك بأمر بيّن في باب الدلالة على وجود اللّه تعالى ، وعلى أني رسوله أي وهل تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بالمعجزات الدالة على صدق دعواي ؟ !
قالَ
فرعون له :
فَأْتِ بِهِ
أي بذلك الشيء
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 31 ) في دعوى الرسالة ، وفي أن لك برهانا ، وإنما أمره - عليه السلام - فرعون بالإتيان بالشيء الموضح لصدق دعواه عليه السلام ، لظنه أنه يقدر على معارضته ، ولطمعه في أن يجد موضعا للإنكار .
فَأَلْقى عَصاهُ
. قال ابن عباس : عصا موسى اسمها ماشا . وقيل : نبعة .
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
( 32 ) أي حية عظيمة صفراء ، ذكر تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر العلامات ، وليس بتمويه كما يفعله السحرة :
وَنَزَعَ يَدَهُ
من إبطه
فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
( 33 ) تضيء الوادي من شدة بيضاها من غير برص ، لها شعاع كشعاع الشمس تعجب الناظرين إليها . قيل : لما رأى فرعون الآية الأولى قال هل لك غيرها فأخرج موسى يده فقال لفرعون ما هذه فقال فرعون : يدك . فما فيها فأدخلها في إبطه ، ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ، ويسد الأفق ، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أمورا ثلاثة .
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا
الرسول
لَساحِرٌ عَلِيمٌ
( 34 ) أي حاذق بالسحر ، فإن الزمان كان زمن السحرة ، وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهي بسحره إلى هذا الحد فلهذا روج فرعون عليهم هذا القول ،
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ
أي يريد هذا الرجل أن يخرجكم من مصر بما يلقيه بينكم من العداوات ، فيفرق جمعكم ، وهذا يجري مجرى التنفير عن موسى عليه السلام ، فإن مفارقة الوطن أصعب الأمور ، فنفرهم عنه بذلك
فَما ذا تَأْمُرُونَ
( 35 ) أي فأيّ شيء تأمرونني به في شأنه ؟ فإني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم . ومثل هذا الكلام يوجب انصراف القلوب عن العدو ، فعند هذه الكلمات اتفقوا على جواب واحد
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ
أي أخر مناظرتهما لوقت اجتماع السحرة . وقيل : احبسهما ولا تقتلهما لما روي أن فرعون أراد قتلهما ، ولم يصل إليهما فقالوا له : لا تفعل فإنك إن قتلتهما أدخلت على الناس شبهة في الدين ولكن أخّر أمرهما إلى أن تجمع السحرة ليقاوموها ، فلا تثبت لهما حجة عليك .