تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
العالمين ، لأن فرعون كان يدّعي الربوبية ، فأرادوا عزله وإنما أسندوا الرب إلى موسى وهارون ، لأنهما اللذان دعواهم إليه
قالَ
أي فرعون للسحرة :
آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
أي آمنتم لموسى بغير أن آذان لكم !
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
أي إن موسى علمكم شيئا دون شيء ، فلذلك غلبكم ، فإنكم فعلتم ذلك عن موافقة بينكم وبين موسى ، وقصرتم في السحر لتظهروا أمر موسى وإلا ففي قوة السحرة أن يفعلوا مثل فعل موسى عليه السلام - وهذه شبهة قوية في تنفير من يقبل قوله عليه السلام -
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
وبال ما فعلتم
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
، وهو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
( 49 ) على شاطئ نهر مصر . وهذا تهديد شديد وليس في الإهلاك أقوى من ذلك ، وليس في الآية أن فرعون فعل ذلك أو لم يفعل .
قالُوا
أي السحرة :
لا ضَيْرَ
أي لا ضرر في ذلك علينا
إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
( 50 ) ومقصودهم بالإيمان محض الوصول إلى مرضاته تعالى ، والاستغراق في أنوار معرفته وهذا أعلى درجات الصديقين .
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
( 51 ) فإنا إلى ربنا ، و
إِنَّا نَطْمَعُ
كلاهما تعليل لعدم الضير ، و
أَنْ كُنَّا
تعليل لطمع غفران الخطايا ، أي لا ضير علينا في قتلك إيانا لأنا نرجو أن يغفر لنا ربنا شركنا لكوننا أول المؤمنين من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف من رعية فرعون . وقرئ « إن كنا » بالكسر على الشرط على طريقة قول المدل كقول العامل لمستأجر يؤخر أجرته : إن كنت عملت لك فوفني حقي .
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى
بعد ثلاثين سنة
أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي
من آمن بك من بني إسرائيل ، وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون ووصل الهمزة . والباقون بسكون النون وقطع الهمزة . وقرئ « أن سر » ف « أن » حرف تفسير
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
( 52 ) تعليل للأمر بالإسراء ، أي لأنه يتبعكم فرعون وجنوده فلا يدركوكم قبل وصولكم إلى البحر ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون : إن لنا في هذه الليلة عيدا ، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب ، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر . قال القرطبي : فخرج موسى عليه الصلاة والسلام ببني إسرائيل سحرا فترك الطريق إلى الشام على يساره ، وتوجه نحو البحر ، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق ، فيقول : هكذا أمرت . فلما أصبح فرعون وعلم بسري موسى ببني إسرائيل خرج في أثرهم ، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر وقوّى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم ، ووصف قوم نفسه بصفة المدح ، وذلك قوله تعالى :
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
( 53 ) أي شرطا جامعين للعساكر ليتبعوهم . قيل : كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية . وقال لهم :
إِنَّ هؤُلاءِ
أي بني إسرائيل
لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ
( 54 ) أي لطائفة قليلة ، وكانوا ستمائة ألف مقاتل ليس فيهم من دون عشرين ولا من يبلغ ستين سوى الحشم ، وفرعون يقللهم لكثرة من معه