تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
وسوس وإذا ذكر اللّه خنس وعنه قال ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس فإذا ذكر اللّه خنس وإذا غفل وسوس ، فذلك قوله
الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ
. وقد ورد في معنى هذا غيره وظاهره أن مطلق ذكر اللّه يطرد الشيطان وإن لم يكن على طريق الاستعاذة ، ولذكر اللّه سبحانه فوائد جليلة حاصلها الفوز بخيري الدنيا والآخرة .
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
قال قتادة : إن الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا غفل ابن آدم عن ذكر اللّه وسوس له وإذا ذكر العبد ربه خنس . قال مقاتل إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلطه اللّه على ذلك ، ووسوسته هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفي يصل إلى القلب من غير سماع صوت . والجملة في محل الجر على الصفة أو الرفع على تقدير مبتدأ والنصب على الذم ، وعلى هذين الوجهين يحسن الوقف على الخناس . ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان جني وإنسي فقال :
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس ، وأما شيطان الإنس فوسوسته ، في صدور الناس أنه يرى نفسه كالناصح المشفق فيوقع في الصدر من كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ما يوقع الشيطان فيه بوسوسته كما قال سبحانه :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] ويجوز أن يكون متعلقا بيوسوس أي يوسوس في صدورهم من جهة الجنة ومن جهة الناس ويجوز أن يكون بيانا للناس . قال الرازي وقال قوم من الجنة والناس قسمان مندرجان تحت قوله :
فِي صُدُورِ النَّاسِ
لأن القدر المشترك بين الجن والإنس سمي إنسانا ، والإنسان أيضا سمي إنسانا فيكون لفظ الإنسان واقعا على الجنس والنوع بالاشتراك . والدليل على أن لفظ الإنسان يندرج فيه لفظ الإنس والجن ما روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم من أنتم قالوا ناس من الجن وأيضا قد سماهم اللّه تعالى رجالا في قوله :
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ
[ الجن : 6 ] وقيل يجوز أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ، كأنه استعاذ ربه من ذلك الشيطان الواحد ثم استعاذ بربه من جميع الجنة والناس . وقيل المراد بالناس « الناسي » وسقطت الياء كسقوطها في قوله يوم يدع الداع ، ثم بين الجنة والناس لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب مبتلى بالنسيان .