تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
أنه ملك الناس ، ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون فبين إنه إله لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد . وأيضا بدأ اسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلا كاملا ، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس . ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه وأنه عبد مخلوق وإن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس ، وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار والبيان ، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ، وقيل أراد بالأول الأطفال ، ومعنى الربوبية يدل عليه ، وبالثاني الشباب ولفظ الملك المنبىء عن السياسة يدل عليه ، وبالثالث الشيوخ ولفظ الإله المنبىء عن العبادة يدل عليه ، وبالرابع الصالحين إذ الشيطان مولع باغوائهم ، وبالخامس المفسدين لعطفه على المعوذ منه ، ذكره النسفي ، ولا وجه لهذا التخصيص وإنما هذا الكلام من لطائف البيان .
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ
قال الفراء هو بفتح الواو بمعنى الاسم أي الموسوس وبكسرها المصدر أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وقيل هو بالفتح اسم لمعنى الوسوسة ، والوسوسة هي حديث النفس يقال وسوست إليه نفسه وسوسة أي حدثته حديثا ، وأصلها الصوت الخفي ، ومنه قيل لأصوات الحلي وسواس . قال الزجاج الوسواس هو الشيطان أي ذي الوسواس ويقال إن الوسواس ابن لإبليس وسمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه لأنها شغله الذي هو عاكف عليه ، وقد سبق تحقيق معنى الوسوسة في تفسير قوله :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ
[ الأعراف : 20 ] ومعنى
الْخَنَّاسِ
كثير الخنس وهو التأخر يقال خنس إذا تأخر ، قال مجاهد إذا ذكر اللّه خنس وانقبض وإذا لم يذكر انبسط على القلب . ووصف بالخناس لأنه كثير الاختفاء ومنه قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ
[ التكوير : 15 ] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها كما تقدم ، وقيل الخناس اسم لابن إبليس كما تقدم في الوسواس . وعن ابن عباس في قوله
الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ
قال مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس إليه ، فإن ذكر اللّه خنس وإن سكت عاد إليه فهو الوسواس الخناس . وعن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر اللّه خنس وإن نسيه التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس » أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن شاهين والبيهقي في الشعب . وعن ابن عباس في الآية قال الشيطان جاث على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل