تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
قال : إن السور الذي ذكره اللّه في القرآن
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ
هو الذي ببيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة المسجد وظاهره من قبله العذاب يعني وادي جهنم وما يليه ولا يخفاك أن تفسير السور المذكور في هذه الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيه من الإشكال ما لا يدفعه مقال ، ولا سيما بعد زيادة قوله :
باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ
المسجد ، فإن هذا غير ما سيقت له الآية وغير ما دلت عليه ، وأين يقع بيت المقدس أو سورة بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين ، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس ههنا ؟ فإن كان المراد أن اللّه سبحانه ينزع سور بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سورا مضروبا بين المؤمنين والمنافقين فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد ؟ وأن كان المراد أن اللّه يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد ويجعل المنافقين خارجه فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس . فإن كان مثل هذا التفسير ثابتا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبلناه وآمنا به وإلا فلا كرامة ولا قبول ، ولعله أخذ ذلك من الإسرائيليات فقد قال شريح : كان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس : إنه الباب الذي قال اللّه تعالى :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ
وكعب وكذا وهب كثير الرواية عن بني إسرائيل ، وليس عند أهل السنة إلى قبوله سبيل . ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر اللّه سبحانه عما قاله المنافقون إذ ذاك فقال :
يُنادُونَهُمْ
أي ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز بينهم ، وبقوا في الظلمة ، والجملة حالية من الضمير في بينهم أو استئناف وهو الظاهر
أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
أي موافقين لكم في الظاهر ، نصلي بصلاتكم في مساجدكم ، ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم ، ثم أخبر اللّه سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال :
قالُوا بَلى
أي كنتم معنا في الظاهر
وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ
بالنفاق وإبطان الكفر قال مجاهد : أهلكتموها بالنفاق ، وقيل : بالشهوات واللذات ، قاله ابن عباس ، وقيل : استعملتموها في الفتنة وقيل : بالمعاصي قاله أبو سنان .
وَتَرَبَّصْتُمْ
بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبمن معه من المؤمنين حوادث الدهر والدوائر وقيل : تربصتم بالتوبة ، قاله ابن عباس والأول أولى
وَارْتَبْتُمْ
أي : شككتم في أمر الدين ، ولم تصدقوا ما أنزل اللّه من القرآن في التوحيد ولا بالمعجزات الظاهرة
وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ
الباطلة التي من جملتها ما كنتم فيه من التربص وقيل : هي طول الأمل ، والطمع في امتداد الأعمار وقيل : ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ، وقال قتادة :