تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 1 إلى 7 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 2 ) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 3 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 4 ) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 5 ) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 6 ) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 )
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي نزهه ومجده قال المقاتلان : يعني كل شيء من ذي روح وغيره ، وقد تقدم الكلام في تسبيح الجمادات ، عند تفسير قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم . والمراد بالتسبيح المسند إلى ما في السماوات والأرض من العقلاء وغيرهم ، والحيوانات والجمادات هو ما يعم التسبيح بلسان المقال ، كتسبيح الملائكة والإنس والجن ، وبلسان الحال كتسبيح غيرهم ، فإن كل موجود يدل على الصانع ، وقد أنكر الزجاج أن يكون تسبيح غير العقلاء هو تسبيح الدلالة وقال : لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة ، فلم قال : ولكن لا تفقهون تسبيحهم ؟ وإنما هو تسبيح مقال ، واستدل بقوله :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ
[ الأنبياء : 79 ] ، فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم تكن لتخصيص داود فائدة . وفعل التسبيح قد يتعدى بنفسه تارة كما في قوله :
وَسَبِّحُوهُ ،
وباللام أخرى كهذه الآية ، وأصله أن يكون متعديا بنفسه ، لأن معنى سبحته بعدته عن السوء فإذا استعمل باللام فهي إما زائدة لتأكيد كما في شكرته وشكرت له ، أو هي للتعليل ، أي أفعل التسبيح لأجل اللّه سبحانه خالصا له . وجاء هذا الفعل في بعض هذه الفواتح ، كالحشر والصف ماضيا كهذه الفاتحة . وفي بعضها كالجمعة والتغابن مضارعا ، وفي بعضها كالأعلى أمرا ، وفي بني إسرائيل بلفظ المصدر ، استيعابا واستيفاء لهذه الكلمة من جميع جهاتها المشهورة ، وللإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات ، لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت بل هي مسبحة أبدا في الماضي ، وستكون مسبحة في المستقبل أبدا ، وبدأ بالمصدر في الإسراء لأنه الأصل ، وأبلغ من حيث إنه مشعر بإطلاقه عن التعرض للفاعل والزمان ،