تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
الأرض وقيل : تنتهي إليها أرواح الشهداء وقيل غير ذلك وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار البستان ، أو من إضافة المحل إلى الحال ، كقولك كتاب الفقه والتقدير عند سدرة عندها منتهى العلوم ، أو من إضافة الملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي : سدرة المنتهى إليه وهو اللّه عز وجل قال تعالى :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] واختلف لم سميت سدرة المنتهى على ثمانية أقوال ذكرها القرطبي وغيره . وعن ابن مسعود قال : « لما أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم انتهى إلى سدرة المنتهى وهو في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها ويقبض منها » « 1 » أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم .
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى
أي عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى ، وهي عن يمين العرش ، وسميت بها لأنها أوى إليها آدم ، وقيل : إن أرواح المؤمنين تأوي إليها ، وقيل : يأوي إليها جبريل والملائكة ، وقيل : يصير إليها المتقون قرىء جنة بالرفع على الابتداء ، وقرىء جنة فعلا ماضيا من جن يجن ، أي ضمه المبيت أو ستره إيواء اللّه له ، قال الأخفش : أدركه كما تقول ؛ جنة الليل ، أي ستره وأدركه ، قال ابن مسعود : الجنة في السماء السابعة العليا ، والنار في الأرض السابعة السفلى .
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
الغشيان بمعنى التغطية والستر ، وبمعنى الإتيان ، يقال : فلان يغشاني كل حين أن يأتيني ، وفي إبهام الموصول وصلته من التفخيم والتكثير للغواشي ما لا يخفى ، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة اللّه تعالى وجلالته ، أشياء لا يحيط بها الوصف ، ولا يكتنهها نعت ولا يحصيها عدد ، وقيل : يغشاها جراد من ذهب ، وقال ابن مسعود : فراش من ذهب ، قال الرازي : وهذا ضعيف ، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي ، فإن صح فيه خبر وإلا فلا وجه له ، وقيل : طوائف من الملائكة ، وقال مجاهد : رفرف أخضر ، وقيل : رفرف من طيور خضر ، وقيل غشيها أمر اللّه ، وقيل نور الخلائق ، وقيل نور رب العزة ، والمجيء بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا للصورة البديعة أو للدلالة على الاستمرار التجددي .
ما زاغَ الْبَصَرُ
أي ما مال بصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما رآه ، ولم يتلفت إلى ما غشى السدرة من فراش الذهب وغيره ، هذا بالنظر لكون الذي غشيها هو فراش من الذهب ، وبالنظر لكونه أنوار اللّه لم يلتفت يمنة ولا يسرة ، بل اشتغل بمطالعتها ، مع أن ذلك
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 279 ، والترمذي في تفسير سورة 53 ، باب 1 ، والنسائي في الصلاة باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 387 ، 422 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 452 | صديق الحسيني القنوجي البخاري