يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة ، وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً
[ الشورى : 51 ] بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام ، وبأنه عام مخصوص .
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
قرىء من المماراة وهي المجادلة والملاحاة ، وقرىء أفتمرونه ، أي أفتجحدونه ، واختار أبو عبيدة الثانية قال : لأنهم لم يماروه ، وإنما جحدوه ، يقال : مراه حقه أي جحده ومريته أنا أي جحدته قال المبرد : يقال : أمراه عن حقه وعلى حقه ، إذا منعه منه ودفعه ، وقيل على بمعنى عن ، وقرىء أفتمرونه بضم التاء من أمريت أي أتريبونه وتشكون فيه ، قال جماعة من المفسرين : المعنى على الأول أفتجادلونه ؟ وذلك أنهم جادلوه حين أسري به ، فقالوا : صف لنا بيت المقدس ، أي فتجادلونه جدالا ترمون به دفعه عما شاهده وعلمه ، وقال : ما يرى ، ولم يقل ما رأى على حكاية الحال الماضية استحضارا للحالة البعيدة في ذهن المخاطبين .
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى
اللام هي الموطئة للقسم ، أي واللّه لقد رآه ، والنزلة المرة من النزول ، أي رأى جبريل نازلا نزلة أخرى ، أو رآه أخرى ، ونصب نزلة على الظرف أو المصدرية أو الحالية ، وبالأول قال الزمخشري وهو مذهب الفراء ، نقله عنه مكي ، وبالثاني قدر أبو البقاء ، وبالثالث قال الحوفي وابن عطية ، قال جمهور المفسرين : المعنى أنه رأى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل عليه السّلام مرة أخرى في صورة نفسه ، وذلك ليلة المعراج ، وقيل : رأى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ربه مرة أخرى بفؤاده وقيل : بعينه .
أخرج مسلم والطبراني وغيرهما عن ابن عباس في الآية قال : « رأى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ربه بقلبه مرتين » « 1 » ، وأخرج نحوه عنه الترمذي وحسنه ، وعن أنس قال : رأى محمد ربه ، وعن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى ربه مرتين ، مرة ببصره ومرة بفؤاده ، وعنه لقد رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ربه عز وجل ، وعنه قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ؟ والكلام لموسى ؟ والرؤية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد روي نحو هذا عنه من طرق .
وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه « عن أبي ذر قال : « سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هل رأيت ربك قال نور أنّى أراه » « 2 » .
وعنه « سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هل رأيت ربك قال رأيت نورا » « 3 » أخرجه مسلم وابن مردويه .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 284 ، وأحمد في المسند 1 / 223 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 291 ، والترمذي في تفسير سورة 53 ، باب 7 ، وأحمد في المسند 5 / 157 ، 171 ، 175 .
( 3 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 292 ، وأحمد في المسند 5 / 147 .