تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
الدعوات إلى كتاب اللّه وحكمه والرضا بما فيه
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ
أي بالنصح والدعاء إلى حكم اللّه ، ولا تكتفوا بمجرد متاركهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر ، يعني فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ، ويتحروا الصواب المطابق لحكم اللّه . ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم ، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى . ثم أمر اللّه سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المتقاتلين فقال :
وَأَقْسِطُوا
أي : اعدلوا . وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين والقسط الجور ، والقسط العدل ، والفعل منه أقسط الرباعي وهمزته للسلب أي أزال القسط ، وهو الجور بخلاف قسط الثلاثي فمعناه الجور ، يقال : قسط الرجل إذا جار ، وأقسط إذا عدل ، وهذا هو المشهور خلافا للزجاج في جعلهما سواء
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
أي : العادلين ، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء . وجملة
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإصلاح ، والمعنى : أنهم راجعون إلى أصل واحد ، وهو الإيمان ، قال الزجاج : الدين يجمعهم فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب ، لأنهم لآدم وحواء ، قال بعضهم :
أبي الاسلام لا أب لي سواه * إذا افتخروا بقيس أو تميم « 1 »
ولنعم ما قيل :
القوم اخوان صدق بينهم سبب * من المودة لم يعدل به نسب
وذلك أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الأخوة لم ينقص عنها ثم قد جرت العادة على أنه إذا نشأ مثل ذلك بين الأخوين ولادا لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما ، فالأخوة في الدين أحق بذلك .
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
يعني بين كل مسلمين تخاصما وتقاتلا ، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر مضافا إلى المأمورين بالإصلاح ، للمبالغة في التقرير والفاء للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح أو تخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الاصلاح فيما فرقهما بطريق الأولى لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق ، فإذا لزمت المصالحة بين
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لنهار بن توسعة في الدرر 2 / 218 ، وشرح المفصل 2 / 104 ، والكتاب 2 / 282 ، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 402 ، وهمع الهوامع 1 / 145 .