المؤكدة والأذكار المأثورة في صحاح الأحاديث مواظبا على تعلق القلب باللّه سبحانه .
رابعها : أن يكون آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، مستبدا برأيه ، لا إمعة ليس له رأي ، ولا أمر ، ذا مروءة وعقل تام يعتمد عليه في كل ما يأمر به ، وينهي عنه ، قال تعالى :
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
[ البقرة : 282 ] ، فما ظنك بصاحب البيعة ؟
خامسها : أن يكون صحب العلماء بالكتاب والسنة ، وتأدب بهم دهرا طويلا ، وأخذ منهم العلم للظاهر ، والنور الباطن والسكينة ، وهذا لأن سنة اللّه جرت بأن الرجل لا يفلح إلا إذا رأى المفلحين ، ولا يشترط في ذلك ظهور الكرامات وخوارق العادات ولا ترك الاكتساب ؛ لأن الأول ثمرة المجاهدات ، لا شرط الكمال ، والثاني مخالف للشرع المطهر ولا تغتر بما فعله المغلوبون في أحوالهم ، إنما المأثور القناعة بالقليل ، والورع من الشبهات .
وإذا تقرر لك هذا عرفت ما هو صاف عما هو كدر ، فاشدد يديك عليه ولا تلتفت إلى غير ما ذكرناه ، وباللّه التوفيق .
ولما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة الرحمن ، ذكر من غاب عن ذلك الجناب ، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة بقوله :
سَيَقُولُ
أي بوعده لا خلف فيه
لَكَ
لأنهم يعلمون شدة رحمتك ورفقك وشفقتك على عباد اللّه فهم يطمعون في قبولك عذرهم الفاسد ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين
الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ
هم الذين خلفهم اللّه عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية معتمرا قال مجاهد وغيره يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل ، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة ، وقيل تخلفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين سافر إلى مكة عام الفتح ، بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه وخافوا أن يكون قتال وقالوا : يذهب إلى قوم قد غزوه في قعر داره بالمدينة ، وقتلوا أصحابه يعنون بأحد
شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا
أي منعنا من الخروج معك ما لنا من الأموال والنساء والذراري وليس لنا من يقوم بهم ، ويخلفنا عليهم وإنا لو تركناهم لضاعوا .
فَاسْتَغْفِرْ لَنا
ليغفر اللّه لنا ما وقع منا من التخلف عنك لهذا السبب ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم فضحهم اللّه بقوله :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ
من طلب الاستغفار وما قبله
ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
فهم كاذبون في اعتذارهم وفي طلب الاستغفار لهم وهذا هو صنيع المنافقين ، والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم أو بدل من الجملة الأولى ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجيب عنهم فقال :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
أي فمن يمنعكم مما أراده اللّه بكم من خير وشر ونفع وضر والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد يقدر لأجلكم من مشيئته وقضائه